السيد حيدر الآملي
38
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
فلك يوم مخصوص يعدّ مقداره بالأيّام الحادثة عن الفلك المحيط ، المعبّر عنها بقوله : « ممّا تعدّون » ، وكلَّها تقطع في الفلك المحيط ، فكلَّما قطعته على الكمال ، كان يوما لها ويدور الدور ، فأصغر الأيّام منها هو ثمانية وعشرون يوما « مما تعدّون » ، وهو مقدار قطع حركة القمر في الفلك المحيط . ونصب اللَّه هذه الكواكب السّبعة في السّموات ، ليدرك البصر قطع فلكها في الفلك المحيط ، لتعلم ( لنعلم ) عدد السّنين والحساب ، قال تعالى : وَقَدَّرَه ُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [ سورة يونس : 5 ] . وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناه ُ تَفْصِيلًا [ سورة الإسراء : 12 ] . ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ سورة الأنعام : 96 ] . فكلّ كوكب منها يوم مقدّر يفضل بعضها على بعض ، على قدر سرعة حركاتها الطبيعيّة ، أو صغر أفلاكها وكبرها . ( خلق القلم واللَّوح والهباء ) فاعلم أنّ اللَّه تعالى لمّا خلق القلم واللَّوح ، وسمّاها العقل والنّفس ( الرّوح ) ، فأعطى الرّوح صفتين : صفة علميّة ، وصفة عمليّة ، وجعل العقل لها معلَّما ومفيدا ، إفادة مشاهدة حاليّة ، كما تستفيد من صور ( صورة ) السكّين القطع من غير نطق يكون معه ( منه ) في ذلك . وخلق تعالى جوهرا دون النّفس الَّذي هو الرّوح المذكور ، سمّاه الهباء ، وهذه الاسميّة له نقلناها من كلام علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه . وأمّا الهبا فمذكور في اللَّسان العربي ، قال تعالى : فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا [ سورة الواقعة : 6 ] . كذلك لمّا رآها علي بن أبي طالب ، أعنى هذه الجوهرة منبثّة في جميع الصّور الطبيعيّة كلَّها وأنّها لا تخلو صورة منها إذ لا تكون صورة إلَّا في هذه الجوهرة ، سمّاها هباء ،