السيد حيدر الآملي

39

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

وهي مع كلّ صورة بحقيقتها لا تنقسم ، ولا تتجزّى ، ولا تتّصف بالنّقص ، بل هي كالبياض الموجود في كلّ أبيض بذاته وحقيقته ، ولا يقال : قد نقص من البياض قدر ما حصل منه في هذا الأبيض ، هذا مثل حال هذه الجوهرة ( 16 ) .

--> ( 16 ) قوله : فهذا مثل حال هذه الجوهرة . أقول : لا بأس بذكر بعض ما نطق به الشيخ الأكبر حول الهباء في الفتوحات المكيّة ليتضح المطلب ، قال : « جوهر الهباء الَّذي يسمّيه أهل النظر : الهيولى الكلّ الَّذي لم تظهره صورة الجسم إلَّا فيه » ج 1 ، ص 721 وج 10 ، ص 435 ( ط ج ) . وقال : الهباء بسيط ، فما قرب منه عومل بمعاملته ، وما بعد عنه تميّز في الحكم عن القريب ج 1 ، ص 679 وج 10 ، ص 145 ( ط ج ) . وقال : فأوجد اللَّه سبحانه العقل الأول من نسبة الحياة ، وأوجد النّفس من نسبة العلم ، وكان العقل شرطا في وجود النّفس ، كالحياة شرط في وجود العلم . وكان المنفعلان عن العقل والنّفس : الهباء والجسم الكلّ . فهذه الأربعة أصل ظهور الصور في العالم ، غير أنّ بين النّفس والهباء مرتبة الطبيعة ج 1 ، ص 293 وج 4 ، ص 344 ( ط ج ) . وقال في ج 1 ، ص 260 وص 158 ج 4 ( ط ج ) : وصورة الأمر فيها هكذا : وقال في الباب 78 حينما شرع في بحث الخلوة : قال رسول اللَّه ( ص ) : « كان اللَّه ولا شيء معه » . وسئل رسول اللَّه ( ص ) : أين كان ربّنا قبل أن يخلق خلقه ؟ قال : كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء . ثمّ خلق الخلق وقضى القضيّة وفرغ من أشياء ، وهو : كلّ يوم في شأن . إلى أن قال : وأصل الخلوة في العالم : الخلاء ، الَّذي ملأه العالم ، فأوّل شيء ملأ : الهباء ، وهو جوهر مظلم ملأ الخلأ بذاته ، ثمّ تجلَّى له الحقّ باسمه : النور ، فانصبغ به ذلك الجوهر وزال عنه حكم الظلمة وهو العدم فاتّصف بالوجود ، فظهر لنفسه بذلك النور المنصبغ به ، وكان ظهوره به على صورة الإنسان ج 2 ، ص 150 وج 13 ، ص 353 ( ط ج ) . وقال : وأعلى ما يشبهها ( أي حقيقة الحقائق ) من الحدثات الهباء الَّذي خلق فيه صور العالم ، ثمّ النور أنزل منه في الشّبه بها ، فإنّ النّور صورة في الهباء كما أنّ الهباء صورة فيها . ج 1 ، ص 78 وج 1 ، ص 333 ( ط ج ) . وقال : « كان اللَّه ولا شيء معه » ثمّ أدرج فيه : « وهو الآن على ما عليه كان » ، لم يرجع إليه سبحانه من إيجاده العالم صفة لم يكن عليها ، بل كان موصوفا لنفسه ، ومسمّى قبل خلقه بالأسماء الَّتي يدعوه بها خلقه . فلمّا أراد ( تعالى ) وجود العالم ، وبدأه على حدّ ما علمه بعلمه بنفسه ، انفعل عن تلك الإرادة المقدّسة بضرب تجلّ من تجلَّيات التنزيه إلى الحقيقة الكلَّيّة ، انفعل عنها حقيقة تسمّى : الهباء ، هي بمنزلة طرح البنّاء الجصّ ليفتح فيها ما شاء من الأشكال والصّور ، وهذا هو أوّل موجود في العالم ، وقد ذكره عليّ بن أبي طالب رضي اللَّه عنه وسهل بن عبد اللَّه رحمه اللَّه ، وغيرهما من أهل التحقيق ، أهل الكشف والوجود . ثمّ إنّه سبحانه تجلَّى بنوره إلى ذلك الهباء ، ويسمّيه أصحاب الأفكار الهيولى الكلّ ، والعالم كلَّه فيه بالقوّة والصلاحيّة ، فقبل منه كلّ شيء في ذلك الهباء على حسب قوّته واستعداده ، كما تقبل زوايا البيت نور السراج وعلى قدر قربه من ذلك النّور يشتدّ ضوءه وقبوله ، قال تعالى : * ( مَثَلُ نُورِه ِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ ) * [ سورة النور : 24 ] . فشبّه نوره بالمصباح فلم يكن أقرب إليه تعالى قبولا في ذلك الهباء إلَّا حقيقة محمّد ( ص ) المسمّاة بالعقل ، فكان سيّد العالم بأسره ، وأوّل ظاهر في الوجود ، فكان وجوده من ذلك النور الإلهي ومن الهباء ومن الحقيقة الكلَّيّة وفي الهباء وجد عينه ، وعين العالم من تجلَّيه . وأقرب النّاس إليه علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه ( عليه السّلام ) إمام العالم وسرّ الأنبياء أجمعين . ج 1 ، ص 199 وج 2 ، ص 226 ( ط ج ) . و ( في بعض النسخ ) : علي بن أبي طالب وأسرار الأنبياء أجمعين . ( وفي بعضها ) : علي بن أبي طالب وأسرار الأنبياء . وفي نسخة ابن فناري إضافة إلى هذه العبارة ( مصباح الأنس ص 175 ) : علي بن أبي طالب عليه السّلام ثمّ ساير الأنبياء . وقال ابن فناري في مصباح الأنس - بعد ذكر هذه العبارة في بحثه عن ما يشتمل عليه اللَّوح من الأرواح بعد ما نقل كلاما طويلا عن الشيخ من كتابه « عقلة المستوفر » ( ص 49 ) - : أقول : هذا غير الهباء الَّذي قال في الفتوحات بعد وريقات : لمّا خلق القلم واللوح وسمّاها العقل والرّوح إلخ ، فراجع فتأمّل .