السيد حيدر الآملي

302

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

الفصل الرابع في بعث الأنبياء والرّسل من ذريّته والكتب النازلة عليهم من اللَّه تعالى قوله : « واصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم ، وعلى تبليغ الرّسالة أمانتهم ، لمّا بدّل أكثر خلقه عهد اللَّه إليهم فجهلوا حقّه ، واتّخذوا الأنداد معه ، واجتالهم الشياطين عن معرفته ، واقتطعتهم عن عبادته ، فبعث فيهم رسله ، وواتر إليهم أنبياءه ، ليستأدوهم ميثاق فطرته ، ويذكّرونهم منسيّ نعمته ، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ ، ويثيروا لهم دفائن العقول ، ويروهم آيات ( المقدرة ) القدرة ( المقدّرة ) : من سقف فوقهم مرفوع ، ومهاد تحتهم موضوع ، ومعايش تحييهم ، وآجال تفنيهم ، وأوصاب تهرمهم ، وأحداث تتابع عليهم ، ولم يخل اللَّه سبحانه خلقه من نبيّ مرسل ، أو كتاب منزل ، أو حجّة لازمة ، أو محجة قائمة : رسل لا تقصّر بهم قلَّة عددهم ، ولا كثرة المكذّبين لهم : من سابق سمّي له من بعده أو غابر عرّفه من قبله : على ذلك نسلت القرون ، ومضت الدهور ، وسلفت الآباء ، وخلقت الأبناء . إلى أن بعث اللَّه سبحانه محمّدا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ، لإنجاز عدته ، وتمام ( إتمام ) نبوّته ، مأخوذا على النبيّين ميثاقه ، مشهورة سماته ، كريما ميلاده ، وأهل الأرض يومئذ ملل متفرّقة ، وأهواء منتشرة ، وطرائق متشتّتة ، بين مشبّه للَّه بخلقه ، أو ملحد في اسمه ، أو مشير إلى غيره ، فهداهم به من الضّلالة ، وأنقذهم بمكانه من الجهالة ، ثمّ اختار سبحانه لمحمّد صلَّى اللَّه عليه وآله لقاءه ، ورضي له ما عنده ، وأكرمه عن دار الدنيا ، ورغب به عن مقام ( مقارنة ) البلوى فقبضه إليه كريما صلَّى اللَّه عليه وآله ، وخلَّف فيكم ما خلَّفت الأنبياء في أممها ، إذ لم يتركوهم هملا ، بغير طريق واضح ، ولا علم قائم ، كتاب ربّكم فيكم : مبيّنا حلاله وحرامه ، وفرائضه وفضائله ، وناسخه ومنسوخه ،