السيد حيدر الآملي
298
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
القوّة المتخيّلة ، ووجه تشبيهها بالحيّة أنّ الحيّة لمّا كانت لطيفة سريعة الحركة تتمكّن من الدخول في المنافذ الضيّقة وتقدر على التصرّف الكثير ، وهي مع ذلك سبب من أسباب الهلاك بما تحمله من السمّ وكانت المتخيّلة في سرعة حركاتها وقدرتها على التصرّف السريع ، والإدراك ألطف من سائر القوى ، وهي الواسطة بين النفس والوهم ، كانت بما اشتملت عليه من تحمّل كيد إبليس وإلقاء الوسوسة بواسطتها إلى النفس سببا قويّا للهلاك السرمد والعذاب المؤبّد ، لا جرم كان أشبه ما يشبه به الحيّة لما بينهما من المناسبة فحسن إطلاق لفظ الحيّة عليها . قوله : « نفاسة عليه » ، ترشيح للاستعارة لأنّه لمّا كان جذب الوهم للنفس إلى الجنّة السافلة مانعا لها من الكرامة بدار المقامة ومستنزلا لها عن درجة مرافقة الملأ الأعلى ، وكان ذلك أعظم ما تنفس به كما قال تعالى : وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ [ سورة المطفّفين : 26 ] . وعرفت أنّ ذلك الجذب عن صورة معاداة كما سبق وكان من لوازم المعاداة النفاسة على العدوّ بكلّ ما يعدّ كمالا له لا جرم حسن اطلاق النفاسة هاهنا ترشيحا لاستعارة العداوة ، ( والنصب على المفعول له ) . قوله : « فباع اليقين بشكّه والعزيمة بوهنه » . أي لمّا حصلت الوسوسة والاغترار لآدم فانقاد لها كان قد بدّل ما تيقّنه ومن أنّ شجرة الخلد والملك الَّذي لا يبلي هو نور الحقّ والبقاء في جنّته ودوام مطالعة كبريائه بالشكّ فيه بواسطة وسوسة إبليس ، وذلك أنّ الأمور الموعودة من متابع الآخرة وما أعدّه اللَّه لعباده الصالحين أمور خفيت حقائقها على أكثر البصائر البشريّة ، وإنّما الغاية في تشويقهم إليها أن يمثّل لهم بما هو مشاهد لهم من اللذّات البدنيّة الحاضرة فترى كثيرا منهم لا يخطر بباله أن يكون في الجنّة أمر زائد على هذه اللَّذات فهو يجتهد في تحصيلها ، إذ لا يتصوّر وراءها أكثر منها ، ثمّ إن صدق بها على سبيل الجملة تصديقا للوعد الكريم فإنّه لا يتصوّر كثير تفاوت بين الموعود به والحاضر ، بحيث يرجّح ذلك التفاوت عنده ترك الحاضر لما وعد به ، بل يكون ميل طبعه إلى الحاضر ، وتوهّم كونه أنفع وأولى به أغلب عليه ، وأن تيقّن بأصل عقله أنّ الأولى به وأنفع له والأبقى هو