السيد حيدر الآملي
299
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
متاع الآخرة ، فتارة يطرأ على ذلك اليقين غفلة عنه ونسيان له بسبب الاشتغال باللَّذات الحاضرة والانهماك فيها ، وذلك معنى قوله تعالى : فَنَسِيَ . وتارة لا تحصل الغفلة الكلَّيّة بل يكون الوهم المذكور قويّا فيعارض ذلك اليقين بحيث يوجب في مقابلته شبهة وشكّا ، وذلك معنى قوله عليه السّلام : فباع اليقين بشكّه ، ولا منافاة بين قوله تعالى : فَنَسِيَ ، وبين الشكّ هاهنا . وقوله : والعزيمة بوهنه ، أي تعوّض من العزم والتصميم الَّذي كان ينبغي له في طاعة الحقّ سبحانه بالضعف والتعاجز عن تحمّله كما قال تعالى : وَلَمْ نَجِدْ لَه ُ عَزْماً [ سورة طه : 115 ] . واطلاق لفظ البيع هاهنا استعارة حسنة إذ كان مدار البيع على استعاضة شيء بشيء سواء كان المستعاض أجلّ أو أنقص ، ومثله قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ [ سورة البقرة : 86 ] . فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ [ سورة البقرة : 16 ] . وقوله : « فاستبدل بالجذل وجلا » ، وبالاغترار ندما ، إلى قوله : « وتناسل الذّرّيّة » . فيه تقديم وتأخير ، وتقديره : والعزيمة بوهنه ، فأهبطه اللَّه إلى دار البليّة وتناسل الذريّة ، فاستبدل بالجذل وجلا وبالاغترار ندما ، ثمّ أناب إلى اللَّه فبسط له في توبته ولقاه كلمة رحمته ووعده المردّ إلى جنّته ، وذلك لأنّ الإهباط عقيب الزلَّة ، واستبدال الجذل بالوجل بعد الإهباط من الجنّة ، والإخراج منها ، وقد ورد القرآن الكريم بهذا النظم في سورة البقرة ، وهو قوله : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيه ِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا [ سورة البقرة : 36 ] . ثمّ قال عقيبه : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّه ِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْه ِ [ سورة البقرة : 37 ] . وورد أيضا على النظم الَّذي ذكره عليه السّلام في سورة طه وذلك قوله : وَعَصى آدَمُ رَبَّه ُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباه ُ رَبُّه ُ فَتابَ عَلَيْه ِ وَهَدى قالَ اهْبِطا [ سورة طه : 121 - 123 ] .