السيد حيدر الآملي
297
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
( في بيان حقيقة الوسوسة ) ولنبحث عن حقيقة الوسوسة فنقول : انّ الفعل إنّما يصدر عن الإنسان بواسطة أمور مترتبة ترتيبا طبيعيّا ، أوّلها تصوّر كون الفعل ملائما وهو المسمّى بالداعي ، ثمّ إنّ ذلك الشعور يترتّب عليه ميل النفس إلى الفعل المسمّى ذلك الميل إرادة فيترتّب على ذلك الميل حركة القوّة النزوعيّة المحرّكة للقوّة المسمّاة القدرة المحرّكة للعضل إلى الفعل . إذا عرفت ذلك فنقول : صدور الفعل عن مجموع القدرة والإرادة أمر واجب فليس للشّيطان فيه مدخل ، ووجود الميل عن تصوّر كونه نافعا وخيرا أمر لازم فلا مدخل للشّيطان أيضا فيه فلم يبق له مدخل إلَّا في إلقاء ما يتوهّم كونه نافعا أو لذيذا إلى النفس ممّا يخالف أمر اللَّه سبحانه فذلك الالتقاء في الحقيقة هو الوسوسة وهو عين ما حكى اللَّه سبحانه عنه بقوله : وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [ سورة إبراهيم : 22 ] . ( في بيان سبب متابعة الشيطان ) إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ متابعة إبليس يعود إلى انقياد النفس لجذب الوهم والقوى البدنيّة الَّتي هي الشيطان عن الوجهة المقصودة والقبلة الحقيقيّة ، وهي عبادة الحقّ سبحانه ، وفتنتها لها بتزيين ما حرّم اللَّه عليها ، فأمّا ما يقال : إنّ إبليس لم يكن له تمكّن من دخول الجنّة ، وإنّما توسّل بالحيّة ودخل في فمها إلى الجنّة حتّى تمكّن من الوسوسة لآدم عليه السّلام واغتراره ، فقالوا : المراد بالحيّة هي القوّة المتخيّلة ، وذلك أنّ الوهم إنّما يتمكّن من التصرّف وبعث القوى المحرّكة كالشهوة والغضب الَّتي هي جنوده وشياطينه على طلب الملاذ البدنيّة والشهوات الحسيّة الدنيّة ، وجذب النّفس إليها بتصوير كونها لذيذة نافعة بواسطة