السيد حيدر الآملي

296

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

( في بيان وجه عداوة إبليس مع آدم ( ع ) ) ووجه العداوة ظاهر ممّا قلنا ، فإنّ النفس لمّا كانت من عالم المجرّدات وكان الوهم بطبعة منكرا لهذا القسم من الممكنات كان منكرا لما تأمر به النّفس من الأمور الكلَّيّة الَّتي لا حظَّ له في إدراكها وذلك من مقتضيات العداوة ، ولأنّ نظام أمر النفس ومصلحتها لا يتمّ إلَّا بقهر الوهم والقوى البدنيّة عن مقتضيات طباعها وتمام مطالب القوى لا يحصل إلَّا بانقهار النفس فكانت بينهما مجاذبة طبيعية وعداوة أصليّة إذ لا معنى للمعاداة إلَّا المجانبة لما يتصوّر كونه مؤذيا . قوله : « فاغترّه عدوّه نفاسة عليه بدار المقام ومرافقة الأبرار » . أقول : يقال : إنّ اللَّه تعالى لمّا حذّره إبليس وعداوته كان قد نهاه عن أكل شجرة يقال أنها شجرة البرّ ، وأعلمه أنّه إن أكل منها كان ظالما لنفسه مستحقّا لسخط اللَّه عليه ، وذلك قوله تعالى : وَلا تَقْرَبا هذِه ِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ [ سورة البقرة : 35 ] . قالوا : وتلك الشجرة هي الشجرة الخبيثة الَّتي اجتثّت من فوق الأرض مالها من قرار وهي عائدة إلى المشتهيات الدنيويّة الفانية واللذّات البدنيّة الخارجة عن المحدودات في أوامر اللَّه ، وتناولها هو العبور فيها إلى طرف الإفراط عن وسط القانون العدل . وأمّا كونها شجرة البرّ فقالوا : إنّ البرّ لمّا كان هو قوام الأبدان وعليه الاعتماد في أنواع المطعومات والملاذ البدنيّة حسن أن يعبّر به عنها ، فيقال : هي شجرة البرّ كناية عن الفرع بالأصل . فأمّا اغترار إبليس له فاعلم ، أنّ حقيقة الغرور هو سكون النّفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه بالطبع عن شبهة وخدعة من إبليس ، فاغتراره يعود إلى استغفال النفس بالوسوسة الَّتي حكى اللَّه تعالى عنها بقوله : فَوَسْوَسَ إِلَيْه ِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى [ سورة طه : 120 ] .