السيد حيدر الآملي

236

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

لكبرياء اللَّه وعظمته إطلاقا للفظ الملزوم على لازمه على أنّ السجود في اللغة هو الانقياد والخضوع كما مرّ . إذا عرفت ذلك ، فنقول : يحتمل أن يكون قوله عليه السّلام : منهم سجود ، إشارة إلى مرتبة الملائكة المقربين لأنّ درجتهم أكمل درجات الملائكة فكانت نسبة عبادتهم وخضوعهم إلى خضوع من دونهم كنسبة خضوع السجود إلى خضوع الركوع . فإن قلت : إنّه قد تقدّم أنّ الملائكة المقربين مبرّؤون عن تدبير الأجسام والتعلَّق بها فكيف يستقيم أن يكونوا من سكّان السّماوات ومن الأطوار الَّذين ملئت بهم . قلت : إنّ علاقة الشّيء بالشيء وإضافته إليه يكفي فيها أدنى مناسبة بينهما ، والمناسبة هاهنا حاصلة بين الأجرام السماويّة وبين هذا الطور من الملائكة وهي مناسبة العلَّة للمعلول أو الشرط للمشروط ، فكما جاز أن ينسب الباري جلّ جلاله إلى الإختصاص بالعرش والاستواء عليه في لفظ القرآن الكريم مع تنزيهه تعالى وتقدّسه عن هذا الظَّاهر ، ولم يجز في الحكمة أن يكشف للخلق من عظمة الحقّ سبحانه أكثر من هذا القدر ، فكذلك جاز أن ينسب الملائكة المقربون إلى الكون في السّماوات بطريق الأولى وان تنزّهوا عن الأجسام وتدبيرها ، لأنّ عليّا عليه السّلام قاصد مقصد الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وقصد القرآن الكريم وناطق به ، فليس له أن يفصح بما تنبوا عنه الأفهام ، وباللَّه التوفيق . وقوله : وركوع ، يشبه أن يكون إشارة إلى حملة العرش إذ كانوا أكمل ممّن دونهم فكانت نسبة عبادتهم إلى عبادة من دونهم كنسبة خضوع الركوع إلى خضوع الصفّ . قوله : وصافّون ، يحتمل أن يكون إشارة إلى الملائكة الحافّين من حول العرش . قيل : إنّهم يقفون صفوفا لأداء العبادة كما أخبر تعالى عنهم : وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ [ سورة الصّافات : 165 ] . وتحقيق ذلك ، أنّ لكلّ واحد منهم مرتبة معيّنة ودرجة معيّنة من الكمال يخصّه وتلك الدرجات باقية غير متغيّرة وذلك يشبه الصفوف .