السيد حيدر الآملي
199
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
والثّاني ما يصرف عن الضّلال ويردّ إلى سواء السبيل ، وبيان أنّ الهواء مخلوق أو غير مخلوق لا يفيد كثير فائدة في أمر المعاد فلا يكون الجهل به ممّا يضرّ في ذلك فكان ترك بيانه والاشتغال بما هو أهمّ منه أولى . [ البحث الرابع ] ( في بيان ما تكوّنت منه السّماء ) البحث الرابع ، أنّ القرآن الكريم نطق بأنّ السّماء تكوّنت من الدّخان وكلامه عليه السّلام ناطق بأنّها تكوّنت من الزبد ، وما ورد في الخبر : أنّ ذلك الزّبد هو الَّذي تكوّنت منه الأرض ، فلا بدّ من بيان وجه الجمع بين هذه الإشارات فنقول : وجه الجمع بين كلامه عليه السّلام ، وبين لفظ القرآن الكريم ما ذكره الباقر عليه السّلام وهو قوله : فخرج من ذلك الموج والزبد دخان ساطع من وسطه من غير نار فخلق منه السّماء . ولا شكّ أنّ القرآن الكريم لا يريد بلفظ الدّخان حقيقته ، لأنّ ذلك إنّما يكون عن النّار ، واتّفق المفسّرون على أنّ هذا الدّخان لم يكن عن نار بل عن تنفّس الماء وتبخيره بسبب تموّجه ، فهو إذن استعارة للبخار الصاعد من الماء وإذا كان كذلك فنقول : إنّ كلامه عليه السّلام ، مطابق للفظ القرآن الكريم وذلك أنّ الزّبد بخار يتصاعد على وجه الماء عن حرارة حركته إلَّا أنّه ما دامت الكثافة غالبة عليه وهو باق على وجه الماء لم ينفصل فإنّه يخصّ باسم الزبد وما لطف وغلبت عليه الأجزاء الهوائيّة فانفصل خصّ باسم البخار ، وإذا كان الزبد بخارا والبخار هو المراد بالدخان في القرآن الكريم كان مقصده ومقصد القرآن واحد فكان البخار المنفصل هو الَّذي تكوّنت عنه السّماوات والَّذي لم ينفصل هو الَّذي تكوّنت عنه الأرض وهو الزّبد . وأمّا وجه المشابهة بين الدّخان والبخار الَّذي صحّت لأجله استعارة لفظه فهو