السيد حيدر الآملي
17
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِه ِ مَدَداً [ سورة الكهف : 109 ] . وبقوله : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّه ُ مِنْ بَعْدِه ِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّه ِ إِنَّ اللَّه َ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ سورة لقمان : 27 ] . لأنّ هذا لو كان إشارة إلى كلمات القرآن أو التّوراة والإنجيل وغير ذلك من الكتب بزعم المفسّرين لم يقل في أوصافها هذا ، ولا بالغ في كثرتها هذه المبالغة ، لأنّ كلمات القرآن ، أو كلمات أيّ كتاب من كتب اللَّه المنزّلة يفرض ، تنفد بأوقية من المداد أو أكثر أو أقلّ ، وأمّا كلمات هذين الكتابين الَّتي هي عبارة عن حقايق الموجودات وماهيّاتها وأعيانها ، أو المركّبات الخارجيّة منها ، روحانيّة كانت أو جسمانيّة ، فإنّه لا يمكن انفادها وانتهاءها لأنّها غير متناهية باتفاق المحققين كما سبق ذكرها أيضا ، وسيجئ بيانها في المقدّمة الرّابعة مبسوطا ، لأنّا قد بيّنا عند تعريف التّأويل وكيفيّة قراءة هذه الكتب ، أنّ حروف الكتاب الآفاقي هي مفردات العالم بأسرها وهي بمثابة مفردات الحروف وبسائطها ، وأنّ كلماته مركّبات العالم بأجمعها وهي بمثابة كلمات القرآن ومركّباته ، وأنّ آياته كليّات العالم على حسب طبقاتها وهي بمثابة آيات القرآن وكليّاته ، وبيّنّا أنّ الإنسان صورة إجمال هذا الكتاب وتفصيله ، ومفردات نفسه وبسائطه بمثابة مفردات العالم ، وبسائطه ومركباته بمثابة كلماته ، وكليّاته بمثابة آياته حذو النعل بالنعل والقذة بالقذ ، كما عرفته مفصّلا في صورة الدائرة ، وقبل الدائرة ، وكما ستعرفه في هذه المقدّمة ، وبيّنّا أنّ القرآن صورة تفصيل هذين الكتابين واجمالهما صورة ومعنى فحينئذ كما يصدق على القرآن أنّه كتاب إلهيّ ومصحف ربّانيّ يصدق على الآفاق المسمّى بالعالم انّه كتاب إلهي ومصحف ربّانيّ ، وكذلك على الإنسان المعبر عنه بالأنفس لأنّه أيضا كتاب إلهي ومصحف ربّانيّ ، وهذا هو المطلوب من هذا البحث ، وإذا تقرّر هذا .