السيد حيدر الآملي

169

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

فأمّا ما يقال في العرف : من أنّ فلانا مؤدّ لحقّ اللَّه تعالى ، فليس المراد منه جزاء النعمة ، بل لمّا كانت المطلوبات للَّه تعالى من التكاليف الشرعيّة والعقليّة تسمّي حقوقا له لا جرم سمّي المجتهد في الامتثال مؤدّيا لحقّ اللَّه ، وذلك الأداء في الحقيقة من أعظم نعمه تعالى على عبده ، إذ كان الامتثال وسائر أسباب السلوك الموصل إلى اللَّه تعالى كلَّها مستندة إلى جوده وعنايته ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّه ُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ سورة الحجرات : 17 ] . وما كان في الحقيقة نعمة للَّه لا يكون أداء لنعمة اللَّه وجزاء لها وإن أطلق ذلك في العرف إذ كان من شأن الحقّ المفهوم المتعارف بين الخلق استلزامه وجوب الجزاء والأداء ليسارعوا إلى الإتيان به رغبة ورهبة فيحصل المقصود من التكليف حتّى لو لم يعتقدوا أنّه حقّ للَّه بل هو مجرّد نفع خالص لهم لم يهتمّوا به غاية الاهتمام إذ كانت غايته غير متصوّرة لهم كما هي ، وقلَّما تهتمّ النّفوس بأمر لا تتصوّر غايته ومنفعته خصوصا مع المشقّة اللَّازمة في تحمّله إلَّا بباعث قاهر من خارج . قوله : الَّذي لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن . ( في انّ الواجب ليس بمركب وما ليس بمركب ليس بمدرك الحقيقة ) أقول : إسناد الغوص هاهنا إلى الفطن على سبيل الاستعارة . إذ الحقيقة إسناده إلى الحيوان بالنسبة إلى الماء مستلزم لتشبيه المعقولات بالماء ، ووجه الاستعارة هاهنا أنّ صفات الجلال ونعوت الكمال لمّا كانت في عدم تناهيها والوقوف على حقائقها وأغوارها نسبة ( تشبه ) البحر الخضم الَّذي لا يصل السائح له إلى ساحل ، ولا ينتهي الغائض فيه إلى قرار ، وكان السائح لذلك البحر والخائض في تيّاره هي الفطن الثاقبة ، لا جرم كانت الفطنة شبيهة بالغائص في البحر فأسند الغوص إليها ، وفي معناه الغوص في الفكر والغوص في النوم ، ويقرب منه إسناد الإدراك إلى بعد الهمم إذ كان الإدراك حقيقة في لحوق جسم لجسم آخر . وإضافة الغوص إلى الفطن ، والبعد إلى الهمم ، إضافة لمعنى الصّفة بلفظ المصدر إلى