السيد حيدر الآملي

167

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

( وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ) [ سورة المدّثّر : 33 ] . فإنّ كلّ واحد منها موكّل بفعل خاصّ وله مقام خاصّ لا يتعدّاه ولا يتجاوزه كما قال تعالى حكاية عنهم : وَما مِنَّا إِلَّا لَه ُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ سورة الصّافات : 164 ] . وهم بأسرهم متحرّكون بمصالح الإنسان ومنافعه من أوّل حياته إلى حين وفاته بإذن المدبّر الحكيم ، دع ما سوى الملائكة من ساير الموجودات في هذا العالم المشتملة على منافعه وما أفاض عليه من القوّة العقليّة الَّتي هي سبب الخيرات الباقية والنعم الدائمة الَّتي لا تنقطع موادّها ولا يتناهى تعدادها فإنّ كلّ ذلك في الحقيقة نعم إلهيّة ربانيّة للعبد بحيث لو اختل شيء منها لاختلَّت منفعته من تلك الجهة ، ومعلوم أنّه لو قطع وقته أجمع بالنظر إلى آثار رحمة اللَّه تعالى في نوع من هذه النعم لانتهى دونها فكره وقصر عنها إحصاؤه وحصره ، وهو مع ذلك كلَّه غافل عن شكر اللَّه ، جاهل بمعرفة اللَّه ، مصرّ على معصية اللَّه ، فحقّ أن يقول سبحانه وتعالى بعد تنبيه له على ضرب نعمه والامتنان بها عليه : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّه ِ لا تُحْصُوها ، إِنَّ الإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [ سورة إبراهيم : 34 ] . ظلوم لنفسه بمعصية اللَّه معتاد للكفر بآلاء اللَّه . قُتِلَ الإِنْسانُ ما أَكْفَرَه ُ [ سورة عبس : 17 ] . إِنَّ الإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ [ سورة الزّخرف : 15 ] . فسبحان الَّذي لا تحصى نعماؤه ولا تستقصى آلاؤه . وغاية هذا الحكم تنبيه الغافلين من مراقد الطبيعة على لزوم شكر اللَّه سبحانه ، والاعتراف بنعمه المستلزم لدوام إخطاره بالبال .