الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
84
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
الحكم في الواقع لا دخل لها في عروضه . فإذا قال لابنه يا بني لا تشرك با لله ، فالمخاطب ذلك الشخص الخاص ، لكن صورة النهي الإرشادي لم تتعلق به إلا من حيث كون الشرك ظلما عظيما ، وكون لقمان شفيقا عليه ، لا يرضى بصدور الظلم منه ، فكل موجود كان شركه ظلما عظيما ، وكان هناك من يشفق عليه اندرج تحت العنوان الواقعي ، وإن خرج عن الصورة ، وإذا جردت النهي عن الناهي ، ولاحظت أن ذلك الفعل بحيث ينبغي النهي عنه الذي هو حقيقة النهي الإرشادي ، فقط اشتراط الشفقة والقضية حينئذ إن كل شيء كان شركه ظلما عظيما ، فينبغي تحذّره عنه وامتناعه منه . وإذا لاحظت أنه قد صدر من لقمان هذا الكلام لأجل أنه حكيم ، وجردته عن سائر خصوصياته ، علم منه أن كل من كان حكيما فهو ينهى عن الشرك معنى ، ثم إذا جردت الحكيم عن كونه شخصا خارجيا ، ولاحظت أن الحكمة صفة العقل ، وأن العقل هو الحكيم الذي يمنع عن الشرك لكونه ظلما ، وأن صدور النهي عن لقمان لمكان عقله المتصف بالحكمة ، صارت القضية أن العقل المتصف بالحكمة ينهى عن الشرك ، لذلك فالعقل لقمان يعظ بذلك ، وكل عاقل حكيم يعظ بذلك ، والمخاطب كل موجود له قابلية النهي عنه ، متصف بالصفات الموجبة لكون الشرك ظلما من الماضين والآتين ، والمنهي عنه هو الشرك من حيث كونه ظلما عظيما ، فالعنوان الواقعي هو الظلم العظيم في أي مفهوم يتحقق . وإذا لاحظت العقل رأيت حقيقته نورا متسعا يستضيء به الكل ( أي كل الموجودات ) ويشملها في جميع العوالم كلها ، وهو من حيث كونه موجودا ممكنا ، فلا محالة يكون قائما بغيره ، وله قيوم أوجده بإشراقه ، فهو من حيث كونه ممكنا ليس لنفسه ما له من الإضاءة والإنارة ، بل يكون تلك من موجدها ، وهو مظهر له من هذه الجهة فبالحقيقة تكون الإضاءة والدرك لذلك الموجد المشرق ، إذ هو بالنسبة إليه عرضي وهو ذاتي ( أي قائم بذاته ) فآثاره منه لا محالة ، إذ كل ما بالعرض من