الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
81
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
قيل : ومحصل معناه قريب من معنى التأويل والبطن ، كما أن معنى الحد قريب من معنى التنزيل والظهر . أقول : روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنه قال : " ما من آية إلا ولها أربعة معان : ظاهر وباطن وحدّ ومطلع ، فالظاهر التلاوة ، والباطن الفهم ، والحدّ هو أحكام الحلال والحرام ، والمطلع هو مراد الله من العبد بها " . أقول : وحينئذ الظاهر هو ظاهر الآية التي تقرأ ، والباطن هو فهم معانيها ، والحدّ أي ما به حد الأعمال وحدودها ، التي لا يجوز التعدي عنها من أحكام الحلال والحرام ، والتي تجعل الإنسان في حدها ( أي في حدودها ودائرتها ) في العمل ، والمطلع ( بالتشديد ) هو أنه بعد ما علم العبد هذه الأمور الثلاثة ، فكأنه صعد من عالم الجهل بالعلم والفهم ، ومن عالم البعد بالعمل إلى عالم القرب والعلو النفساني ، فحينئذ يعلوه هكذا يطلع ، ويشاهد ما أراد الله منه من هذا العلم وهذه التكاليف ، وهو حقيقة العبودية ، والإقرار بربوبيته تعالى عن معرفة وترتيب آثارهما ، أي آثار العبودية من الخضوع والتسليم ، والرضا بقضائه وقدره وأمثالها ، وآثار الربوبية من وحدانيته وواجديته لصفات الجلال والجمال ، والأنس به والالتذاذ من معرفته وعبادته ، كما لا يخفى . وأما ما في حديث فضيل من قوله عليه السّلام : " ما في القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن ، وما فيه حرف إلا وله حدّ ومطلع " ، إلى قوله : " يجري كما تجري الشمس ، " فلعل المراد منه أن لكل من المفردات والمركبات من الحروف والكلمات ، أو من الكلمات والجمل معان محدودة جزئية وحقائق كلية ، فتحصل تلك الكلية من تجريد الجزئيات عن الخصوصيات ، التي لا دخل لها في نفس تلك الحقيقة ، وعن تعلق الحكم بها ( أي بالجزئيات ) كما سبق فيما قبله ، فإن الذين نزلت فيهم الآية لهم خصوصيات لا دخل فيها لما حكم في الآية عليهم ، وإنما مناط الحكم هو القدر المشترك الحاصل فيهم وفيمن كان له مثل أعمالهم .