الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

520

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

ثم يصير ذلك النور ضياء ، ثم يصير شعاعا ، ثم يصير قمرا ، ثم يصير شمسا ، فإذا ظهر النور في القلب بردت الدنيا في قلبه بما فيها ، أي وصارت عنده ردّية في غاية الخسّة والدّناءة ولا يتعلَّق بها القلب ، فإذا صار ضياء تركها وفارقها مع مشقّة ورياضة على النفس ، فإذا صار شعاعا انقطع منها وزهد فيها بتمكين وسهولة ، وحينئذ فارق الدنيا ولذاتها ، وكره دنيا الآخرين ولو من الأشراف ، فلا يتحدّث بها ولا عنها ، وهذا من إنارة زهده فيها ، فكل ما ازداد الزهد ازداد هذا الأثر ، فإذا صار نجوما فارق الدنيا ولذاتها ومحبوبها مفارقة بشراشر وجوده وباطنه ، فإذا صار قمرا زهد في الآخرة وما فيها ، كما قيل : فإنها حرام على أهل الله تعالى . فإذا صار شمسا أي ظهرت شمس الحقيقة فيه بحيث دلَّت ذاته تعالى على ذاته فيه ، فحينئذ لا يرى الدنيا وما فيها ولا الآخرة وما فيها ، ولا يعرف إلا ربّه ، فيكون جسده نورا وقلبه نورا وكلامه نورا ، وأما المحرومون من هذه الأنوار فهم الذين أشار الله إليهم بقوله : الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري 18 : 101 ( 1 ) . أقول : كون الجسد نورا لأنه إذا كان مؤتمرا بأمر الروح القدسي كايتمار الروح وامتثاله لأمر الله تعالى كان كالروح النوري نورا ، والقلب إذا كان قلبا أجرد وأزهر ومستقيما لا أسود ولا منكوسا كان نورا ، والكلام إذا كان حكاية عن الكلمات النورية التي في النفس الناطقة والقلب النوري كان نورا . ونعم ما قيل : إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا ويدل على هذه الأمور عدة من الأحاديث : منها : ما من قلب إلا وله عينان ، فإذا أراد الله بعبد خيرا فتح عينيه اللَّتين هما للقلب ليشاهد بهما الملكوت ، ويشير إلى هذه الترقيات النورية أحاديث كثيرة .

--> ( 1 ) الكهف : 101 . .