الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
48
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
نور عظمته ، واصطفاهم بعلمه وارتضاهم لغيبه واختارهم لسرّه ، واجتباهم بقدرته ، وأعزهم بهداه ، وخصهم ببرهانه ، وانتجبهم لنوره ، وأيدهم بروحه ، ورضيهم خلفاء في أرضه وحججا على بريته ، وقد تقدم شرح هذه الجمل بما يعلم منه سعة وجودهم ، وتحقق مبادي الخلق مطلقا فيهم ، فتمام مراتب الوجود بما لها من الشؤون من أوله إلى آخره ، قد صارت فعلية في عوالمهم عليهم السّلام فهم أركان التوحيد ، وعناصر الأبرار ، ودعائم الأخيار مما تقدم من شرحها . والحاصل : أنه لما كانوا عليهم السّلام وجه الله الذي لا يفنى ولا يهلك ، والذي توجه الأولياء إليه تعالى ، فلازمه أن مسير كل موجود من الجماد والنبات والحيوان والإنسان والملك متوجه إليهم عليهم السّلام ومستفيضة منه تعالى بهم ، لأنهم باب الله تعالى تكوينا وتشريعا كما مرّ مرارا ، ومثلهم عليهم السّلام في هذا كمثل الأشعة من السراج ، فإن كل جزء منها متوجه إلى الشعلة المضيئة ، التي هي وجه النار الغائبة ، والظاهرة بتلك الشعلة ، وتلك النار لا تدرك ، وليس لتلك الأشعة المشيرة تحقق ولا وجود ، إلا بذلك التوجه إلى الشعلة ، لأنّها هي وجه النار الغائبة ، وهي التي تمدّ الأشعة بما به بقائها . فالأئمة عليهم السّلام هم الشعلة الإلهية والوجهة الألوهية قال تعالى : الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة 88 : 25 ( 1 ) وساير الخلق بمراتبهم كالأشعة لهذه الشعلة الإلهية ، فهم عليهم السّلام يمدّونهم بما به بقاؤهم ، لأنهم عليهم السّلام وجه الله ، الذي هو غايب عن الأبصار ، والظاهر بتلك الشعلة أي أنوار محمد وآله الطاهرين ، والخلق أشعتهم يستضيئون بها ويستمدون منها . فهم عليهم السّلام الوسائط بهذا المعنى بين الله تعالى وجميع الخلق ، فلا محالة يكون
--> ( 1 ) النور : 35 . .