الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
148
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
لكن لا من حيث إنه مميت منتقم قهار شديد العقاب ، بل لأنه رؤوف رحيم شافي وهكذا ، كما أنه لا يهلك جبارا ، لأنه رؤوف رحيم بل لأنه منتقم شديد البطش . وبعبارة أخرى : كل أمر من الأمور يرتبط به تعالى من جهة ما يتضمنه من المصالح والخيرات ، فعدم اختلاف سنته ، وعدم اختلاف فعله إنما هي بالنسبة إلى جميع صفاته المربوطة به تعالى ، لا بالنسبة إلى صفة واحدة ، فوقوع الشفاعة ، وارتفاع العقاب ، لأجل عدة من الأسباب كالرحمة والمغفرة ، والحكم والقضاء ، وإعطاء كل ذي حق حقه والفصل والقضاء ، كل ذلك لا يوجب اختلافا في السنة الجارية ، وضلالا في الصراط المستقيم . الإشكال الثالث : أن وعد الشفاعة يوجب التجري على المعصية ، وإغراء لهم على المعصية ، وهو مناف للغرض الشرعي ، وهو السوق إلى العبودية والطاعة ، فلا بد من التأويل لما يدل على وعد الشفاعة بنحو لا ينافي هذا الأصل المسلَّم . والجواب عنه : أولا : بالنقض بآيات المغفرة والرحمة الواسعة له تعالى ، وهي كثيرة جدا . وثانيا : بالحل بأن وعد الشفاعة إنما يوجب التجري بشرطين وإلا فلا . تعيين المذنب أو الذنب بنحو لا يقع فيهما اشتباه ، بحيث يكون بنحو الانجاز من غير تعلق بشرط جائز . أنه إن قيل : إن الفرد الفلاني ، أو الطائفة المخصوصة ، أو جميع الناس لا يعاقبون لكان ذلك موجبا للتجري بالنسبة إليه أو إليهم . وأما إذا أبهم الأمر ، فلم يعيّن أن الشفاعة في حق من تؤثر ، وفي أي ذنب توجب رفع عقوبته ، فحينئذ حيث إن كل نفس عاصية لا تعلم شمول الشفاعة لها ، فلا محالة لا يوجب وعد الشفاعة تجريا بالنسبة إليه ، كما لا يخفى ، بل هذا الإبهام في الأمرين يوقظ قريحة رجائها ، فلا محالة لا تكون قنوطا من رحمة الله تعالى ، أو يأسا من روحه ، فهو حينئذ يكون قلبه بين الرجاء من وعد الشفاعة وبين الخوف