الزركشي

28

البرهان

تكون ألفاظه واحدة بأعيانها ، فيكون شيئا معادا ، فنزهه عن ذلك بهذه التغييرات . ومنها : أن المعاني التي اشتملت عليها القصة الواحدة من هذه القصص صارت متفرقة في تارات التكرير فيجد البليغ - لما فيها من التغيير - ميلا إلى سماعها ، لما جبلت عليه النفوس من حب التنقل في الأشياء المتجددة التي لكل منها حصة من الالتذاذ به مستأنفة . ومنها : ظهور الأمر العجيب في اخراج صور متباينة في النظم بمعنى واحد ، وقد كان المشركون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم يعجبون من اتساع الأمر في تكرير هذه القصص والأنباء مع تغاير أنواع النظم ، وبيان وجوه التأليف ، فعرفهم الله سبحانه أن الأمر بما يتعجبون منه مردود إلى قدرة من لا يلحقه نهاية ، ولا يقع على كلامه عدد ، لقوله تعالى : ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) وكقوله : ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده . . . ) الآية . * * * وقال القفال في تفسيره : ذكر الله في أقاصيص بني إسرائيل وجوها من المقاصد : أحدها : الدلالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه أخبر عنها من غير تعلم ، وذلك لا يمكن إلا بالوحي . الثاني : تعديد النعم على بني إسرائيل ، وما من الله على أسلافهم من الكرامة والفضل ، كالنجاة من آل فرعون ، وفرق البحر لهم ، وما أنزل عليه في التيه من المن والسلوى ، وتفجر الحجر ، وتظليل الغمام .