الزركشي
37
البرهان
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : المناسبة علم حسن ; ولكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره ، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر . قال : ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عنه حسن الحديث فضلا عن أحسنه ; فإن القرآن نزل في نيف وعشرين سنة في أحكام مختلفة ولأسباب مختلفة ; وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض ; إذ لا يحسن أن يرتبط تصرف الإله في خلقه وأحكامه بعضها ببعض ; مع اختلاف العلل والأسباب ; كتصرف الملوك والحكام والمفتين ، وتصرف الانسان نفسه بأمور متوافقة ومتخالفة ومتضادة . وليس لأحد أن يطلب ربط بعض تلك التصرفات مع بعض ، مع اختلافها في نفسها واختلاف أوقاتها . انتهى . قال بعض مشايخنا المحققين : قد وهم من قال : لا يطلب للآي الكريمة مناسبة ; لأنها حسب الوقائع المتفرقة . وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا ، وعلى حسب الحكمة ترتيبا ; فالمصحف كالصحف الكريمة على وفق ما في الكتاب المكنون مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف . وحافظ القرآن العظيم لو استفتى في أحكام متعددة ، أو ناظر فيها ، أو أملاها لذكر آية يقول كل حكم على ما سئل ، وإذا رجع إلى التلاوة لم يتل كما أفتى ، ولا كما نزل مفرقا ; بل كما أنزل جملة إلى بيت العزة . ومن المعجز البين أسلوبه ، ونظمه الباهر ; فإنه * ( كتاب أحكمت آياته ، ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) * . قال : والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شئ عن كونها مكملة لما قبلها ، أو مستقلة . ثم المستقلة ; ما وجه مناسبتها لما قبلها ؟ ففي ذلك علم جم ; وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له .