الزركشي
26
البرهان
واختار بعضهم أنه رتبة متوسطة دون السبب وفوق العموم المجرد ; ومثاله قوله تعالى : * ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) * ; فإن مناسبتها للآية التي قبلها ، وهي قوله تعالى : * ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ) * أن ذلك إشارة إلى كعب بن الأشرف ، كان قدم إلى مكة وشاهد قتلى بدر وحرض الكفار على الأخذ بثأرهم ، وغزو النبي صلى الله عليه وسلم ، فسألوه : من أهدى سبيلا ؟ النبي صلى الله عليه وسلم ، أو هم ؟ فقال : أنتم - كذبا منه وضلالة - لعنه الله ! فتلك الآية في حقه وحق من شاركه في تلك المقالة ; وهم أهل كتاب يجدون عندهم في كتابهم بعث النبي صلى الله عليه وسلم وصفته ، وقد أخذت عليهم المواثيق ألا يكتموا ذلك وأن ينصروه ; وكان ذلك أمانة لازمة لهم فلم يؤدوها وخانوا فيها ; وذلك مناسب لقوله : * ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) * . قال ابن العربي في تفسيره : وجه النظم أنه أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقولهم : إن المشركين أهدى سبيلا . فكان ذلك خيانة منهم ; فانجر الكلام إلى ذكر جميع الأمانات " . انتهى . ولا يرد على هذا أن قصة كعب بن الأشرف كانت عقب بدر ، ونزول * ( إن الله يأمركم ) * في الفتح أو قريبا منها ; وبينهما ست سنين ; لأن الزمان إنما يشترط في سبب النزول ، ولا يشترط في المناسبة ; لأن المقصود منها وضع آية في موضع يناسبها ; والآيات كانت تنزل على أسبابها ، ويأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعها في المواضع التي علم من الله تعالى أنها مواضعها .