الزركشي

92

البرهان

وأما قوله تعالى : * ( ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ) * ; فمناسبة الجزاء للشرط أنه لما أقدم المؤمنون وهم - ثلاثمائة وبضعة عشر - على قتال المشركين - وهم زهاء ألف - متوكلين على الله تعالى ، وقال المنافقون : * ( غر هؤلاء دينهم ) * حتى أقدموا على ثلاثة أمثالهم عددا أو أكثرهم ; قال الله تعالى ردا على المنافقين وتثبيتا للمؤمنين : * ( ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ) * في جميع أفعاله . وأما قوله تعالى : * ( وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ) * . فإن قيل : ما وجه الختام بالحلم والمغفرة عقيب تسابيح الأشياء وتنزيهها ؟ أجاب صاحب الفنون بثلاثة أوجه : أحدها : إن فسرنا التسبيح على ما درج في الأشياء من العبر ، وأنها مسبحات بمعنى مودعات من دلائل العبر ودقائق الإنعامات والحكم ما يوجب تسبيح المعتبر المتأمل ; فكأنه سبحانه يقول : إنه كان من كبير إغفالكم لو النظر في دلائل العبر مع امتلاء الأشياء بذلك . وموضع العتب قوله : * ( وكأين من دابة في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ) * ; كذلك موضع المعتبة قوله : * ( ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) * . وقد كان ينبغي أن يعرفوا بالتأمل ما يوجب القربة لله ; مما أودع مخلوقاته بما يوجب تنزيهه ; فهذا موضع حلم وغفران عما جرى في ذلك من الإفراط والإهمال . الثاني : إن جعلنا التسبيح حقيقة في الحيوانات بلغاتها فمعناه : الأشياء كلها تسبحه