الزركشي

82

البرهان

ومنه قوله تعالى : * ( قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون ) * . لما كان سبحانه هو الجاعل الأشياء على الحقيقة ، وأضاف إلى نفسه جعل الليل سرمدا إلى يوم القيامة صار الليل كأنه سرمد بهذا التقدير ، وظرف الليل ظرف مظلم لا ينفذ فيه البصر ، لا سيما وقد أضاف الإتيان بالضياء الذي تنفذ فيه الأبصار إلى غيره ، وغيره ليس بفاعل على الحقيقة ; فصار النهار كأنه معدوم ; إذ نسب وجوده إلى غير موجد ; والليل كأنه لا موجود سواه ; إذ جعل سرمدا منسوبا إليه سبحانه ، فاقتضت البلاغة أن يقول : * ( أفلا تسمعون ) * لمناسبة ما بين السماع والظرف الليلي الذي يصلح للاستماع ، ولا يصلح للإبصار . وكذلك قال في الآية التي تليها : * ( قل أريتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ) ، لأنه لما أضاف جعل النهار سرمدا إليه صار النهار كأنه سرمد ، وهو ظرف مضئ تنور فيه الأبصار ، وأضاف الإتيان بالليل إلى غيره ، وغيره ليس بفاعل على الحقيقة ، فصار الليل كأنه معدوم ; إذ نسب وجوده إلى غير موجد ، والنهار كأنه لا موجود سواه ، إذ جعل وجوده سرمدا منسوبا إليه ، فاقتضت البلاغة أن يقول * ( : أفلا تبصرون ) * ; إذ الظرف مضئ صالح للإبصار ، وهذا من دقيق المناسبة المعنوية . ومنه قوله تعالى في أول سورة الجاثية : * ( إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين . وفى خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون . واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيى به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون ) . فإن البلاغة تقتضي أن تكون فاصلة الآية الأولى : * ( للمؤمنين ) * ، لأنه