الزركشي
83
البرهان
سبحانه ذكر العلم بجملته حيث قال : * ( السماوات والأرض ) * ومعرفة الصانع من الآيات الدالة على أن المخترع له قادر عليم حكيم ، وإن دل على وجود صانع مختار لدلالتها على صفاته مرتبة على دلالتها على ذاته ، فلا بد أولا من التصديق بذاته ; حتى تكون هذه الآيات دالة على صفاته ، لتقدم الموصوف وجودا واعتقادا على الصفات . وكذلك قوله في الآية الثانية : * ( لقوم يوقنون ) * ، فإن سر الانسان وتدبر خلقة الحيوان أقرب إليه من الأول ، وتفكره في ذلك مما يزيده يقينا في معتقده الأول وكذلك معرفة جزئيات العالم ; من اختلاف الليل والنهار ، وإنزال الرزق من السماء ، وإحياء الأرض بعد موتها ، وتصريف الرياح يقتضى رجاحة العقل ورصانته ; لنعلم أن من صنع هذه الجزئيات هو الذي صنع العالم الكلى التي هي أجرامه وعوارض عنه . ولا يجوز أن يكون بعضها صنع بعضا . فقد قام البرهان على أن للعالم الكلى صانعا مختارا ، فلذلك اقتضت البلاغة أن تكون فاصلة الآية الثالثة : * ( لقوم يعقلون ) * وإن احتيج إلى العقل في الجميع ; إلا أن ذكره هاهنا أنسب بالمعنى الأول ; إذ بعض من يعتقد صانع العالم ربما قال : إن بعض هذه الآثار يصنع بعضا ، فلا بد إذا من التدبر بدقيق الفكر وراجح العقل . ومنه قوله تعالى حكاية عن لقمان : * ( يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير ) * . ومنه قوله تعالى : * ( أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون ) * . والمناسبة فيه قوية ; لأن من دل عدوه على عورة نفسه ، وأعطاه سلاحه