الزركشي
81
البرهان
أنه يدرك كل شئ مع الخبرة به ; وإنما خص الأبصار بإدراكه ليزيد في الكلام ضربا من المحاسن يسمى التعطف ; ولو كان الكلام : لا تبصره الأبصار ، وهو يبصر الأبصار لم تكن لفظتا * ( اللطيف الخبير ) * مناسبتين قبل لما قبلهما . ومنه قوله تعالى : * ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير . له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغنى الحميد ) * ، إلى قوله : * ( لرءوف رحيم ) * إنما فصل الأولى ب " لطيف خبير " لأن ذلك في موضع الرحمة لخلقه بإنزال الغيث وإخراج النبات من الأرض ، ولأنه خبير بنفعهم . وإنما فصل الثانية ب " غنى حميد " لأنه قال : * ( له ما في السماوات وما في الأرض ) * ، أي لا لحاجة ; بل هو غنى عنهما ، جواد بهما ; لأنه ليس غنى نافعا غناه إلا إذا جاد به ، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليه ، واستحق عليه الحمد ; فذكر " الحمد " على أنه الغنى النافع بغناه خلقه . وإنما فصل الثالثة ب " رؤوف رحيم " ، لأنه لما عدد للناس ما أنعم به عليهم من تسخير ما في الأرض لهم ، وإجراء الفلك في البحر لهم ، وتسييرهم وكان في ذلك الهول العظيم ، وجعله السماء فوقهم وإمساكه إياها عن الوقوع ، حسن ختامه بالرأفة والرحمة . ونظير هذه الثلاث فواصل مع اختلافها قوله تعالى في سورة الأنعام : * ( وهو الذي جعل لكم النجوم . . . ) * ، الآيات . وقوله تعالى : * ( له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغنى الحميد ) . فقال : " الغنى الحميد " لينبه على أن ما له ليس لحاجة بل هو غنى عنه ، جواد به ، وإذا جاد به حمده المنعم عليه . إذ " حميد " كثير المحامد الموجبة تنزيهه عن الحاجة والبخل وسائر النقائض ، فيكون " غنيا " مفسرا بالغنى المطلق ، لا يحتاج فيه لتقدير " غنى عنه " .