الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
85
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
على جهنم ) الصراط أدقّ من الشعرة ، وأحدّ من السيف ، عليها ثلاث قناطر ، فأما واحدة فعليها الأمانة والرحم ، وأما ثانيها فعليها الصلاة ، وأما الثالثة فعليها عدل ربّ العالمين لا إله غيره ، فيكلفون الممر عليها ، فتحبسهم الرحم والأمانة ، فإن نجوا منها حبستهم الصلاة ، فإن نجوا منها ، كان المنتهى إلى ربّ العالمين جلّ وعزّ وهو قوله تعالى : ( إن ربك لبالمرصاد ) 89 : 14 والناس على الصراط فمتعلق بيد وتزول قدم ويستمسك بقدم ، الحديث ، أخذنا منه موضوع الحاجة . فان كون الصراط أحدّ من السيف ، فإنما هو لأجل أن المشي على ما يقتضيه الرحم والأمانة ، وكذا الصلاة ، وخصوصا عدل ربّ العالمين صعب جدّا ، لأن هذه لا تناسب ما تشتهيه النفس الأمارة بالسوء ، فكما أن السيف الحاد يقطع كل شيء ، ولا يقاومه شيء إلا قدّه ، فكذلك الأمانة والرحم والصلاة ، ولعل العدل الإلهي لا تقاومه النفس وما تشتهيه ، فالمشي عليها صعب جدا يساوي الموت وقطع النفس ، ولعله إليه يشير ما في حديث المعراج من قوله تعالى : يموت الناس مرة ، ويموت أحدهم في كل يوم سبعين مرة من مجاهدة أنفسهم وهواهم ، والشيطان الذي يجري في عروقهم ، الحديث . والحاصل : أن الاستقامة على الحق الحقيق بنحو يقتضيه العدل الإلهي ، والصلاة التي ينبغي أن يؤتى بها وقت العبادة أحدّ من السيف بحيث لا يبقى للإنسان شيء من آثار النفس والهوى ، بل يصير فانيا فيه تعالى كما حقق في محله . وكيف كان فالناس يوم القيامة مختلفون في المرور عليها ، كما يختلفون في الدنيا في القيام بوظائف الدين بنحو يقتضيه الواقع ، حيث إن واقع الدين الحقيقي مظلم على الناس ، يسعى الناس فيه على قدر أنوارهم ، ضرورة أن أمر الدين في الدنيا مشتبه جدّا ، لا يصل إليه أحد إلا بنور المعرفة ، فمن كانت نورانية معرفته أكثر كانت إصابته للحق ومشيه عليه أحسن وأتقن ، فيكون أثره في الآخرة بنحو تقدم ذكره من السرعة والبطء المشار إليهما كما لا يخفى .