الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
56
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
العالمين هو أنه تعالى خلقهم خيرا محضا ، لا شرّ فيهم ذاتا وصفة وفعلا ، لانتفاء مقتضى الشّر فيهم ، وهو الشك كما تشير إليه آية التطهير النازلة في حقهم المفسّر فيها الرجس المنفي بالشك كما تقدم . وكيف كان ، فإذا كانوا موجودين في أول الوجود في عالم الأنوار والأرواح خيرا محضا بنحو يجمع جميع الخيرات ، فلا محالة يقتضي ذلك أن يكونوا خيرة له تعالى ، لأنهم حينئذ واجدون لملاك الاختيار أي ملاك كونهم مختارين ( بالفتح ) فلا بدّ من أن يكونوا خيرة ، وهذا بخلاف غيرهم حتى بالنسبة إلى الملائكة ، بل وبالنسبة إلى الأنبياء فإنهم ( أي الملائكة والأنبياء ) إذا لوحظوا بالنسبة إليهم عليهم السّلام كان فيهم نقص ما يوجب نفي بعض مراتب الخير ومصاديقه ، فلم يكونوا ( أي الملائكة والأنبياء ) خيرا محضا ، فلا يكونوا بقول مطلقا مختارين ( بالفتح ) له تعالى . ثم إن معنى هذا الاختيار هو الإبانة والاستخلاص والاختصاص . أمّا الإبانة : فلأجل واجديتهم ملاك الخيرة أبانهم اللَّه تعالى ، أي فضّلهم عن ساير الخلق ، فلم يهملهم في الخلق بلا رعاية منه تعالى لهم ، بل أبانهم عليهم السّلام منهم أي جعلهم في مرتبة خاصة لهم . وأما الاستخلاص : فمعناه أنه تعالى لما أوجدهم واجدين لملاك الخير كلَّه ، فاستخلصهم لنفسه بأن منحهم مقام القرب والولاية الكبرى الإلهية ، وساير ما اختصهم عليهم السّلام كما تقدمت الإشارة إليه . وأمّا الاختصاص : فمعناه أنه تعالى اختصهم بذلك المقام الرفيع لذلك الملاك بحيث لم يشاركهم في مقامهم أحد من الخلق ، كما يشير إليه ما سيأتي في شرح قوله عليه السّلام : " آتاكم اللَّه ما لم يؤت أحدا من العالمين " فهم عليهم السّلام في مقام لا يساويهم أحد ، ولا يدانيهم أحد ، فضلا عن أن يفوقهم أحد ، كما دلَّت عليه كثير من الأخبار المذكورة في هذا الشرح في مظانّها ، ويدلّ على هذه الأمور الثلاثة ما تقدم من خطبة أمير المؤمنين عليه السّلام آنفا في صلاة يوم عيد الغدير