الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

55

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

فقوله عليه السّلام : استخلصه في القدم على ساير الأمم ، وقوله عليه السّلام : واختصه من تكرمته بما لم يلحقه أحد من بريته ، قوله عليه السّلام : في شأن الأئمة عليهم السّلام : أنشأهم في القدم قبل مذرؤ ومبرؤ ، يدل على اختياره تعالى النبي والأئمة عليهم السّلام على سائر الخلق في عالم الأنوار والأرواح كما لا يخفى . ثم إن هنا كلاما وحاصله : أن الاختيار لشيء لا بدّ له من المختار منه من بين أمثاله ، فإن الاختيار لشيء يساوي الانتخاب له ، والانتقاء من بين أشياء ، فلا بدّ هناك من أشياء ليختار منها هذا الشيء ، هذا وقد دلّ الدليل القطعي كما تقدم مرارا على أنهم عليهم السّلام خلقوا قبل الخلق بألف دهر كما في حديث ، وبتعديد آخر كما في سائر الأحاديث ، فحينئذ كيف يصح الاختيار منه تعالى لهم قبل الخلق ، ولا تظن أنهم عليهم السّلام ما كانوا خيرة من خلقه إلا بعد أن خلق الخلق ، وإلا يلزمك أنهم ما بلغوا تلك المراتب العالية التي رتبهم اللَّه فيها المشار إليها بكونهم خيرته ، إلا بعد أن خلق خلقه ، مع أن هذا أيضا خلاف ما دلت الأخبار بالضرورة على أنهم كانوا خيرة من أول خلقهم عليهم السّلام قبل ساير الموجودات كما تقدم . والجواب عن هذا بما حاصله : أن الخلق كلهم بلا استثناء في علمه تعالى في جامع واحد ، فهو تعالى عالم بكيفية الخلق ، كل في مرتبته وحاله وصفته ، فعلمه تعالى بالخلق قبل الخلق وبعد الخلق يكون سواء ، كما نطقت به الأخبار في توحيد الصدوق من قوله عليه السّلام : علمه بالأشياء قبل خلقها كعلمه بها بعد خلقها ، كما يشير قوله تعالى إلى هذا بالنسبة إليه عليهم السّلام : ( ولقد اخترناهم على علم على العالمين ) 44 : 32 فاستحقوا الاختيار من اللَّه تعالى قبل العالمين ، وما ذكرنا في الآية تأوليها كما لا يخفى . والحاصل : أنه تعالى اختارهم في مقام علمه الأزلي ، فكانوا عليهم السّلام خيرته وصفوة خلقه في علمه تعالى ، ثم بعد ما البسوا حلَّة الوجود الخارجي كانوا عليهم السّلام خيرة الخلق أيضا ، لما هم خيرته تعالى في عالم علمه ، والسرّ في أنه تعالى اختارهم في علمه على