الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

453

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

" لا تسعني أرضي ولا سمائي بل يسعني قلب عبدي المؤمن " ببيان أنّ النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السّلام هم أكمل أفراد العباد المؤمنين ، وانّ معنى قوله : " لا يسعني ، " أي لا يسع ما سوى القلب المؤمن من الأرض والسماء إرادتي ومشيئتي ، ومتعلَّقاتها من أوامره ونواهيه وجميع ما يريده من عباده . بل يسع هذه كلَّها قلب محمد وآله الطاهرين ، فقلوبهم ( صلوات اللَّه عليهم ) تسع تلك الأمور كلَّها مع تكاليفها ، التي يكون متعلَّقها الموجودات الدنيوية والأخروية وإنّما وسعت قلوبهم تلك الأمور ، لأنّها ( أي قلوبهم الطاهرة ) صدرت عنه تعالى ، وخلقت من نور عظمته ، ومن فاضل نوره ، أو أنّ قلوبهم عليهم السّلام عكوس نوره تعالى ، وأنّها ( أي القلوب ) خلقت وصوّرت بنحو الجمع الشامل على صور هيئات عباده وخلقه ، فهم النموذج الخلقي ، والخلق كلَّه تفاصيلهم وفروعهم . ومن المعلوم أنّ الفرع يأخذ حكمه وعلمه وفيضه عن أصله ، ثمّ إنّه لما لم يكن لقلوب غيرهم محلّ مشيئته تعالى ، فلا محالة انحصرت قلوبهم في كونها أبوابا لمشيئة اللَّه تعالى ، كما لا يخفى . فظهر أنّهم عليهم السّلام صراطه وطرقه في خلقه إلى خلقه في التشريعيات . وأمّا التكويني : أي كونهم الطريق التكويني له تعالى : فلما مرّ من أنّ قلوبهم أوعية لمشيئة اللَّه ، ومن المعلوم أنّ جميع الموجودات إنّما توجد بالمشيئة كما في الحديث : إنّ اللَّه تعالى خلق الأشياء بالمشيئة ، وخلق المشيئة بنفسها ، أي أنّها مخلوقة ابتداء ، وتقدم أيضا قوله عليه السّلام طي الزيارة : " إرادة الربّ في مقادير أموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم ، " وتقدم شرحها . فالمستفاد أنّهم عليهم السّلام الطريق إليه تكوينا ، أي أنّ التكوينيات خلقت من طريقهم كما لا يخفى ، فهم كالعلل الفاعلية للأشياء ، واللَّه العالم بحقائق الأمور . الثاني : أي أنّ طريق الخلق إلى اللَّه تعالى هم عليهم السّلام فبيانه : أنّ هذا يكون على قسمين :