الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

440

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

هذا وإن علومهم ومعارفهم في نفسها صعبة المنال علما ، وأصعب منها دركا أي أصعب من تصديقها هو التحقق بها وجدانا ، ولا طريق لها إلا بهم ومنهم ، وإليه تشير الأحاديث المتقدمة من قول أمير المؤمنين عليه السّلام : " إنّ حديثنا صعب مستصعب خشن مخشوش ، فانبذوا إلى الناس نبذا ، فمن عرف فزيدوه ، ومن أنكر فأمسكوا لا يحتمله إلا ثلاث : ملك مقرّب أو نبي مرسل أو عبد مؤمن امتحن اللَّه قبله للإيمان ، وقول الصادق عليه السّلام لأبي الصامت : إنّ أمرنا لا يحتمله أحد ، قلت : فمن يحتمله ؟ قال : نحن أو من شئنا ، وتقدم متن الحديث . والحاصل : أنّ هذه الجبال جبال أمورهم ومعارفهم ، لا يسلك الطريق فيها لعظمها وعلوّها ، وبعدها عن الأذهان إلا بالعلامات الموضوعة فيها للسالك إليها وهم عليهم السّلام تلك العلامات كما لا يخفى . ومن هذا يعلم أنّهم أعلام للعباد بمعنى أنّهم كالجبال الطويلة كأنّها في الهواء لعلوّها ، فالناس في الطرق المنخفضة دائما يستشرقون من تلك الأعلام والعلامات ، التي جعلها اللَّه لهم وهي ذواتهم المقدسة من حيث العلم والمعارف ، والتوحيد والعبادة ، التي جعلت في أعلى محل وأرفع منزلة بحيث لا يلحقهم لاحق ولا يفوقهم فائق . وبعبارة أخرى : أنّ اللَّه تعالى شأنه قد علا قدرهم ورفع شأنهم ، وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين وحمّلهم علمه ، وجعلهم مظاهره في خلقه ، وجعل ولايتهم ولايته ، وفضّلهم على العالمين وسائر الخلق أجمعين ، فلا محالة قد رضيهم أعلاما ، فعباده يهتدون بهم في ظلمات البر والبحر ، وفي ظلمات الجهل والنفس والطبايع الجسمانية ، بل وفي الظلمات النفسانية التي تعرض لأغلب النفوس من أهوائهم الفاسدة وآرائهم الكائدة إلى النور والرشد والسعادة ، والكمالات والمعارف الإلهية من التوحيد والولاية وشئونها ، فجميع العباد في طرق المعتقدات والأحوال والأعمال في كل شيء يهتدون بهم ، بل لا حقّ لهم في الوجود إلا منهم ، لأنّهم عليهم السّلام