الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

358

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

أفضل من الملك ، لا بالعلم المفهوم المستفاد من اللغة المستعمل بالألفاظ في مقام التفهم ، فإنّ هذا أمر يعلمه الملائكة أحسن من آدم ، حيث إنهم يعلمونها بدون اللفظ ، لكونها مجردات بخلاف الإنسان فإنه يحتاج إلى التكلَّم في هذا العالم . وقد يقال : إن المراد من تعليم آدم الأسماء كلها هو خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباينة حتى استعد لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات ، والمتخيلات والموهومات ، وإلهامه معرفة ذوات الأشياء وخواصها ، وأصول العلم ، وقوانين الصناعات وكيفية آلاتها ، والتمييز بين أولياء اللَّه وأعدائه ، فتأتي بمعرفة ذلك كلَّه مظهريته لأسمائه تعالى . وبعبارة أخرى : صار بهذه المعرفة مظهرا للأسماء كلها ، ووصل إلى مرتبة جامعية جميع الكمالات الوجودية الإلهية به حتى صار منتخبا لكتاب اللَّه الكبير ، الذي هو العالم الأكبر كما قال أمير المؤمنين : " أتزعم أنك جرم صغير . . " وسيأتي بتمامه ، وهذا بخلاف الملائكة فإنها وحدانية الصفة ليس في جبلتهم خلط ولا تركيب ، ولهذا لا يفعل كل صنف منهم إلا فعلا واحدا فإما هو راكع فقط أو ساجد فقط ، أو قائم فقط ، كما دلَّت عليه الأخبار وأشار إليه قوله تعالى في حقهم : ( وما منا إلا له مقام معلوم ) 37 : 164 ( 1 ) فليس فيهم تزاحم وتباغض ، فهم كالحواس كل حاسة تفعل فعلها ولا تزاحم الأخرى " ( لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) 66 : 6 فكل صنف منهم مظهر لاسم واحد من الأسماء الإلهية لا يتعداه ، وهذا بخلاف الإنسان فإنه لجامعيته لها كما علمت قد فاق الملائكة ، وذلك بمعرفته الكاملة ومظهريته الشاملة ، فمعنى قوله تعالى : ( أنبئهم بأسمائهم ) 2 : 33 ( 2 ) أخبرهم بالحقائق المكنونة عنهم ، والمعارف المستورة عليهم ، ليعرفوا جامعيتك لها ويعرفوا قدرة اللَّه على الجمع بين الصفات المتباينة ، والأسماء المتناقضة ومظاهرها بما فيها من التضاد في مخلوق واحد

--> ( 1 ) الصافات : 164 . . ( 2 ) البقرة : 33 . .