الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

355

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

أقول : المستفاد من موارد استعمال لفظ الخلف الخليفة هو النيابة عن الغير في أمر ، ولو بمثل الكون في مكان المنوب عنه ، وهذا المعنى العام قد تضاف إليه خصوصية بمناسبة مقام أو حال مثلا كما قيل في المعنى الثاني في قوله تعالى : ( إنّا جعلناك خليفة في الأرض ) 38 : 26 من أنه المدبر للأمور ، ولعلَّه يرجع إلى المعنى الأول ضرورة كونهم عليهم السّلام خلفاء لمن كان قبلهم من الرسل ، ليس المراد منه مطلق أن يحل محلهم بل الخلافة في شؤون الرسالة ، وهو معنى كونه مدبرا وأما ما في حديث علي عليه السّلام من قوله تعالى : ( إنّي جاعل في الأرض خليفة ) 2 : 30 ( 1 ) بعد ما سمع اللَّه تعالى من الملائكة ما سمع ، فمعناه بلحاظ كونه جوابا للملائكة : إنّي أطهّر الأرض منهم وأخلف عليهم بالخليفة أي : المستخلفين عنهم ، وهم البشر بحيث لا يكونون بمثل أولئك العصاة ، والمراد أن يكونوا حينئذ خلف صدق وأهل طاعة ، كما علمت أن الخلف بالتحريك في الخير ، وقد يقال في معنى قوله تعالى : ( إنّي جاعل في الأرض خليفة ) 2 : 30 ما حاصله : أن الخلافة مجعولة لأن يحكى الخليفة مستخلفة بالفتح ، ففي المقام حيث إن المستخلف عنه هو اللَّه تعالى ، فلا بد من حكايته بالتسبيح والتقديس والتحميد ، وهذه حاصلة من الملائكة حيث قالوا : ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) 2 : 30 لا من الموجودات الأرضية التي شأنها الفساد وسفك الدماء لأنها أجسام مادية مركبة من القوى الغضبية والشهوية مضافا إلى أن دار الدنيا دار التزاحم والمحدودية ، ولذا قالوا : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) 2 : 30 مضافا إلى كثير من الموجودات الأرضية التي كانت قبل خلق آدم عليه السّلام وأنهم أفسدوا وسفكوا الدماء ، وليس قولهم هذا اعتراضا عليه تعالى ، بل لأجل تعرّف ما جهلوه واستيضاح ما أشكل عليهم من أمر هذا الخليفة ولذا قالوا : ( إنك أنت العليم الحكيم ) 2 : 32 حيث إن هذه الجملة مصدرة بإنّ التعليلية المشعرة بتسلَّم مدخولها اللَّه تعالى بقوله : ( إنّي أعلم

--> ( 1 ) البقرة : 30 . .