الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

341

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

وبعبارة أخرى : أن قدرته تعالى قد ظهرت في المقدورات وفي القادرين ، إلا أن كلا منهم بحسب ظرفيته ولا ريب في قدرته الكاملة ، لم تكن ظاهرة في أولئك القادرين ، فحينئذ وجب في الحكمة الإلهية حيث إنه شاء أن يعرف خصوصا في كمال قدرته أن يخلق خلقا أقوى وأقرب إليه تعالى ، وإلى قدرته الذاتية مما يتقوى به من ساير المخلوقات المحدودة ، فاختارهم الله تعالى وخلقهم لقدرته الكاملة ، وجعلهم أعضادا للخلق كما تقدم ، فحينئذ فا لله تعالى أقدرهم على تحمل ما شاء من علمه ، وعلى أداء ما حملهم من الولاية التكوينية والتشريعية المتقدم ذكرهما ، فأقدرهم على تبليغ ما أمرهم على تبليغه في التشريع وعلى تقديرهم للأشياء بأن جعلهم مقدرين - بالكسر - للأشياء بإذن الله تعالى ، كما تقدم في شرح قول الحجّة ( عليه أفضل الصلاة والسلام ، وعجل الله تعالى فرجه ، وجعلني الله فداه ) في دعاء رجب : " ومناة وأذوادا " . والحاصل : أنهم عليهم السّلام مقدرون - بالفتح - له تعالى بما أقدرهم على ما ذكر وهو معنى اجتباهم بقدرته ، فهم حينئذ مقدرون - بالكسر - لما ذكر فتأمل تعرف بعونه تعالى . ويقرب من هذا ما قيل : إنه تعالى اجتباهم بقدرته إلى عالم القضاء الإلهي أعني عالم القدرة في الخلق ، وهو عالم تنزيلهم عليهم السّلام إلى عوالم الأسماء الحسني ، التي هي مراتب اسم الله تعالى ، وذلك لأن الاجتباء افتعال من الجباية والجباوة والجبوة والجباة والجبا أيضا بكسرهن ، ما جمع في الحوض من ماء كما نقل ذلك كلَّه عن القاموس فيصير المعنى : أن الله تعالى قد جمع فيكم تمام مقدوراته ، وملأ بكم بها إعلاما على قضائه لها ، كما جمع الماء في الحوض وامتلأ به فالباء للتعدية حينئذ لتضمين معنى الجمع بالامتلاء كما لا يخفى ، والحمد لله ربّ العالمين .