الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
340
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
الأخبار ، ورغب عن الخضوع لها يونس عليه السّلام فالتقمه الحوت ، وكذلك فطرس كما تقدم ، فعذب بالجزيرة ، ثم لما تاب هؤلاء وسألوا الله بمحمد وآله ( صلى الله عليهم أجمعين ) قبل الله توبتهم ، وقصصهم مذكورة في الكتب المفصلة فراجعها خصوصا في تفسير البرهان ، والحمد لله ربّ العالمين . وقوله عليه السّلام : واجتباكم بقدرته أقول : لا ريب في أن الاجتباء هو الاختيار والاصطفاء كما في اللغة ، وهذا الاجتباء له مصاديق من حيث الشدة والضعف في الاختيار . فحينئذ ربما يقال : إنما نسب الاجتباء إلى القدرة مبالغة في تعظيم مقام الاجتباء لهم عليهم السّلام لأن اجتباءهم عليهم السّلام واقع على أكمل وجه ، وهو يكون عن القدرة البالغة التي لا تعجز في شيء من الكمال وإن عظم ، وقد يقال : إن المشي وجوده بلحاظ تعلق الإرادة به مهما كان مختارا وباعتبار لحاظ الكمال ، وكونه من صفوة الموجودات يكون مصطفى ، وباعتبار تحققه في الخارج على أحسن وجه وأكمل وأتم وجه ممكن يكون مجتبى ، لأن الاجتباء عنوان الفعل في الخارج ، أي يكون مصداقه ما هو موجود خارجا ، ولذا جعل الاجتباء بالقدرة التي هي السبب للفعل والعمل ، بخلاف سائر الجمل المتقدمة على هذا والمتأخرة عليه فإنها عللت بالصفات المعنوية الثابتة قبل الفعل . فتدبر تعرف . وقد يقال : إنهم عليهم السّلام لما كانوا مظهر قدرته كما دلَّت عليه الأخبار ، فحينئذ معنى الاجتباء بالقدرة هو أنهم مصدر آثارها وباب فيوضاتها لا غيرهم وهم عليهم السّلام بمكان من هذه المظهرية لها بحيث ينحدر عنهم السيل ، ولا يرقى إليهم الطير ، فلا أحد في القدرة وآثارها مثلهم ، فيكون الباء حينئذ بمعنى اللام الغائية ، أي اجتباهم لغاية إظهار قدرته تعالى النافذة ، التي ليست فوقها قدرة في الوجود .