الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

310

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

لون وريح ووزن وكيل وما دبّ ودرج من إنس وجنّ وطير وسباع ، وغير ذلك مما يدرك بالحواس ، فللَّه تبارك وتعالى فيه البداء مما لا عين له ، فإذا وقع العين المفهوم المدرك ، فلا بداء ، واللَّه يفعل ما يشاء ، فبالعلم علم الأشياء قبل كونها ، وبالمشيئة عرف صفاتها وحدودها وأنشأها قبل إظهارها ، وبالإرادة ميزان نفسها في ألوانها وصفاتها ، وبالتقدير قدر أقواتها وعرف أولها وآخرها ، وبالقضاء أبان للناس أماكنها ودلَّهم عليها ، وبالإمضاء شرح عللها وأبان أمرها ، وذلك تقدير العزيز العليم فهذا الحديث الشريف بين موارد المحو والإثبات والبداء ، وهو من غرر الأحاديث ، وشرح هذا الحديث الشريف بما له من الإشارات والنكات الدقيقة مما يطول به الكلام واللَّه الموفق للصواب . إلا أنه يستفاد منه ، أن الأمور إذا نزلت من عالم العلم والمشيئة والإرادة إلى عالم القضاء بالإمضاء فلا بداء حينئذ ، وعن هذا عبر عليه السّلام في قوله : " فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء ، أي وقع العين في الخارج بحيث يكون مدركا بالحواس ، مضافا إلى كونه مفهوما فلا بداء ، فمن وقوعه ينتفي موضوع البداء ، وأما ما كان من الأمور قبل الوقوع فهو مما يحتمل فيه البداء ، إلا إذا علم أنه من الجهة الأولى التي يستحيل فيه البداء . ثم إن كتابي المحو والإثبات على ما عرفتهما ، إنما جعلهما في الخلق لتحقيق العبودية ، بما لها من المعاني في الخلق ، إذ لولاهما لقلَّت عبادتهم بعد ما علموا أن الأمور محتومة فقط ، وهذا بخلاف ما لو أنّ أمرهم كان مرددا بين السعادة والشقاوة ، والخير والشر ، والجنة والنار فلا محالة يسعون إلى العبادة ولنجاة أنفسهم ، والالتزام بهذا الأمر هو الالتزام بالبداء الذي دلَّت عليه أخبار كثيرة . وبعبارة أخرى : أن الحكمة في جعل البداء في الأمور للعباد ، حتى بالنسبة للأنبياء ( على نبينا وآله وعليهم السلام ) كما دلَّت عليه الأخبار الكثيرة الآتية أن البداء يوجد الخوف في العبد ، بحيث لا يتكل على عمله العبادي فيغترّ به ، ويأمن