الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

259

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

أقول : يستفاد من هذه الأحاديث تسلطهم عليهم السّلام على الدنيا بما فيها من أنواع الموجودات ، فيصرفون فيها ما شاؤوا ، ويستفيدون منها بما شاؤوا بلا وساطة شيء ، ويدل على هذا أيضا الأحاديث الواردة في بيان معجزاتهم عليهم السّلام فإنها شاهدة على ما ذكرناه ، راجع مدينة المعاجز للسيد البحراني رضى اللَّه عنه . ثم إن هذه التكرمة بل غيرها في الحقيقة من آثار العقل والفطنة ، الذي أكرمه اللَّه تعالى به كما لا يخفى ، وله آثار أخر من التكرمات . منها : أنه تعالى لما أقدر الإنسان على تدبير معاشه ، فكان من تمام قدرته عليه أن أكرمه اللَّه تعالى بأن ألهمه التمييز في التدبير لمعاشه بالتمكين من الصناعات ، والتمكن من إعمال القدرة على ما يحتاج إليه ، بحيث لا يحتاج في شؤونه شيئا إلا هو متمكن من صنعه كما هو المتراءى اليوم من إيجاد أنواع الصناعات في المآكل والمشارب ، وبالتمكن من إيجاد أسبابها من المكائن والتسلَّط على أنواع المزروعات والنباتات ، فمن امتزاجها بعضها مع بعض ، والتعمل فيها بسبب تلك المكائن توجد أنواع المأكولات والمشروبات البهية واللذيذة كما لا يخفى . هذا بالنسبة إلى نوع البشر الذين لم يكن عقلهم كاملا بحيث لا يأكلون إلا ما كان لهم نافعا ضارا لهم ، مع أن بقاءهم متوقف على هذا ، أي أكل النافع وترك الضار ، فلا محالة يتسببون في ذلك بالأسباب من إعمال العقل في ايجاد المآكل النافعة وترك الضار ، وهم في ذلك مختلفون فربما اعتقد بعضهم أن هذا نافع له دون غيره بل هو ضار ، وربما اعتقد غيره عكس ذلك ، كما يتراءى ذلك في تشخيص الأطباء منهم ، فهم مع ما أنعم اللَّه تعالى عليهم بالعقل متفاوتون في ذلك ، وهذا بخلاف محمد وآله الطاهرين فإنهم عليهم السّلام لما اعتدلت أمزجة نفوسهم غاية الاعتدال في الاستعداد وفاقت الأضداد فلا يوجد في أنفسهم الشريفة ما هو خلاف اعتدال الطبع ، فلا محالة لا يأكلون ولا يشربون إلا ما وافق اعتدال مزاجهم ، كلّ ذلك لكمال عقلهم ودركهم وعملهم بالأشياء النافعة ، وأنهم يأكلون في وقته ، فإنه ربما كان الشيء نافعا