الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

260

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

إلا أنه إذا أكل في غير وقته ، وعند فقدان شرائط كماله كان مضرا وهذا النحو من الأكل لا يصدر منهم عليهم السّلام . هذا مضافا إلى خلو طبائعهم عليهم السّلام من الأضداد المضرة في النفس فلا محالة لا تكون مواد الضرر موجودة في ذواتهم ، فهم لا محالة يستفيدون من الأطعمة والأشربة حقّ الاستفادة وإن كانت أقل القليل ، هذا بالنسبة إلى أنفسهم الشريفة بل نقول : إنهم عليهم السّلام لما كانوا مستغرقين في الإقبال إلى ربّ العباد شاركوا بأنفسهم الشريفة السبع الشداد لما علمت من اعتدالها ومفارقة أضدادها ، فكان مقتضى نفوسهم وطبيعتها إنشاء الأسباب ، والأشياء التي منها الأكل والشرب على مقتضى الحكمة الكائنة في أسرار الخليقة كما لا يخفى . بل نقول إن أسرار الخليقة في الحقيقة إنما كانت أسرار محكمة مطابقة لمقتضى الحكمة ، بحيث لا يكون ما عمل على هيئتها وملاحظة نظمها إلا على أكمل وجه في الصنعة ، وهذه كلها لا تكون إلا هيئات نفوسهم وأمثال صورهم ، التي انعكست أظلتها في الخلائق ، فكلّ عمل متقن حصل في الوجود ، وكان منشأ للكمال والآثار الحسنة فهو منهم عليهم السّلام ومن أشعة نفوسهم المكرمة بالتكريمات الإلهية ، فسبحان من جعلهم خزائن غيبه ، ومصادر فيضه وسيبه ، ورزقنا اللَّه متابعتهم ، والاقتباس من أنوار معارفهم وما رزقهم اللَّه تعالى في الدنيا والآخرة بمحمد وآله الطاهرين . ومنها تكرمته تعالى إياهم بالعقل بأن دلَّهم على علم الصنع في الأشياء على حسب قابليتهم ، وقد تمّ بيان بعضها إلا أنه نشير هنا إلى بعض ما تركناه ، وهو أنه تعالى قد هيّأ لهم الأسباب العلوية والسفلية ، فعلَّمهم كيفية إعمالها ، لاستخراج مقتضياتها ، فهم بقدر رسوخهم في ذلك العلم يزرعون بأنواع الزراعات ، ويصنعون ويأكلون ويلبسون ، ويبيعون على حسب المنافع ويشترون ، ويعملون الأعمال من سائر الصناعات التي أشير إليها سابقا ، إلا أن المقصود هنا بيان أنه تعالى أطلعهم على ما غاب عنهم وما سيكون بعد اطلاعهم من علم الجفر والنحو والرمل وزجر