الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

255

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

تعالى أغناهم عن ذلك بقوله : ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلكَ رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ) 20 : 132 ( 1 ) فإنه سبحانه لما بين له صلَّى اللَّه عليه وآله وظيفة التبليغ ، ومن المعلوم أنه من أصعب الأمور ، ولذا قال : ( واصطبر عليها ) 20 : 132 الدال على الأمر بالصبر الأكيد المستفاد من اصطبر الذي هو من باب الافتعال الدال على زيادة التحمل في الصبر كما لا يخفى فقال ( لا نسألك رزقا نحن نرزقك ) 20 : 132 ، فقد وعده صلَّى اللَّه عليه وآله بذلك وكفاه مؤنته ، وقد كفى اللَّه مؤنة الرزق لكثير من عباده المؤمنين خصوصا من مثل أهل العلم كما دلَّت عليه الأخبار المذكورة في محلَّه ، ثم إنا نرى أن القيام بأعباء الرسالة أمر عظيم صعب جدّا ، لا يكاد يجتمع مع الاشتغال بالعمل بمذاهب التجارة مثلا لا لعدم القدرة له صلَّى اللَّه عليه وآله عليها ، بل لعدم إمكان اجتماع الأمرين في زمان واحد . نعم لما كان قبل الرسالة متمكنا من التجارة ، فكان صلَّى اللَّه عليه وآله يتجر مع بعض أقربائه ، وهذا بخلاف زمان الرسالة ، لعدم إمكان الجميع كما لا يخفى كما أنه لا يجتمع هذا العمل مع الاشتغال بالدرس والاجتهاد لأغلب العلماء كما لا يخفى لمنافاته مع استفراغ الوسع للاستنباط ، فبهذه الجهة قد كفاهم اللَّه تعالى مؤنة الطلب تسهيلا لما قاموا به من أمر الرسالة والتبليغ ، أو أمر الاجتهاد والاستنباط ، فمن هذه الجهة قد كفاهم اللَّه مؤنة الكسب ، وله جهة أخرى وهو : أنه صلَّى اللَّه عليه وآله وكذا الأئمة عليهم السّلام لما كانوا عليهم السّلام مستغرقين في خدمة خالقهم والعمل بوظائفهم ، فلا محالة لا يبقى لهم فراغ للعمل بأسباب المعاش ، ويدل على ذلك ما ورد من بيان أحوالهم من العبادات الكثيرة والأعمال الشاقة في أمر الدين ، والالتزام الجدي بالوظائف كما لا يخفى ، ونحن نذكر حديثا يدل على هذا خصوصا على التزامهم بأعمال جميع الأمور الراجحة في الشرع فعن جابر الأنصاري عن أمير المؤمنين عليه السّلام في حديث أنه قال : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما قطعت غنما ، ولا لبست سراويلي قائما ، ولا قعدت على عتبة ،

--> ( 1 ) سورة طه : 132 . .