الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
245
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
بلحاظ تمكنه منها ، ومن إعمال الصفات الحميدة بحيث لا نهاية لأنواع أفعاله الممكنة له ، يعلم أن في باطنه استعدادا وقوة قويّة قابلة للترقي إلى ما لا نهاية له ، ولذا قد يسّر اللَّه له السبيل بأن أقعده في مكان هذا الإمكان المكين ، الذي هو منشأ لتلك الأعمال الكثيرة ، التي لا نهاية لها كما لا يخفى ، فإن هذا الإمكان الروحي والإمكان الجسمي الحاصلين له هما الذان جعلا الإنسان في مرتبة قابلة للسير إلى اللَّه تعالى دون سائر الموجودات حتى الملائكة ، وأن يقبله اللَّه تعالى له ، وهو أيضا لهذا متمكن من الإقبال إليه تعالى حين دعاه بتلك الدعوات من قوله تعالى : ( ففروا إلى اللَّه 51 : 50 . . وسارعوا 3 : 133 . . وسابقوا 57 : 21 . . وأنيبوا 39 : 54 . . ) إلى غير ذلك ، إذ من المعلوم أنه تعالى كيف يصح منه إذ يدعوهم إليه بقوله : ففرّوا إلى اللَّه مع عدم إمكان أن يسيروا إليه ، بل لا بدّ أولا من أن يجعلهم متمكَّنين بجميع أنواع التمكَّن ، ثم يدعوهم إليه تعالى ، وإلا ما للتراب ومشاهدة جمال أنوار ربّ الأرباب بلطفه وتفضله له بهذه التفضلات كما لا يخفى ، ومن هذا كله يعلم أن انكباب ما عدا الإنسان وانعطافه إلى الأرض غالبا يحكي عن صورة سيره إلى اللَّه تعالى . وبعبارة أخرى : إنّ نظر ما سوى الإنسان إلى الأرض يعطي أن حقيقته لا تتجاوز سيرها عما في الأرض ، وسيره إليه تعالى لا يكون إلا إلى ما ظهر منه تعالى من القدرة والعلم في الأرض دون ما ظهر في السماء ، وهذا بخلاف الإنسان واستقامته واعتدال صورته ، مع ما له من تلك الإمكانات يعطي أن حقيقته قابلة للسير إلى ما لا نهاية له بنحو تقدم بيانه ، فسير الإنسان معنوية طولية إلى ما لا نهاية له ، وأما غيره فسيره محدود منقطع لا يصل إلى درجة الإنسان ، ثم إن في الملائكة ما هو بصورة الإنسان ، فهو ملحق حكما بالإنسان رتبة ، وما كان بصورة الحيوانات فهو أقل رتبة مما هو بصورة الإنسان ، وإن كان هذا أيضا لا يغفل عن خدمة اللَّه تعالى طرفة عين ، إلا أنه يخدمه تعالى في الجهة السفلى من مراكز ظهوره تعالى .