الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

228

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

وبعبارة أخرى : إن قيام العبد بوظائف العبودية إنما يكون بمقدار معرفته لجلاله وجماله وكبريائه وعظمته تعالى ، وحيث إنه لا يمكن لأحد معرفة كنهه تعالى جلالا وجمالا وعظمة ، ولذا قال صلَّى اللَّه عليه وآله : " ما عرفناك حقّ معرفتك ، وما عبدناك حقّ عبادتك " فهم عليهم السّلام يرون أنفسهم بالنسبة إلى ما خفي عنهم من العظمة والجلال والجمال مقصرين عن القيام بما يجب له تعالى لذاته ، فبهذه الجهة دائما يستحيون ويعتذرون منه تعالى ، ويخافون على أنفسهم من أن وظائف شأنه تعالى لعلَّها كانت متروكة منهم عليهم السّلام وإليه يشير قوله تعالى : ( والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة إنهم إلى ربهم راجعون ) 23 : 60 ( 1 ) . ومن المعلوم أنهم عليهم السّلام أحسن مصاديق هذه الآية المباركة . وبعبارة أخرى : أنهم عرفوا اللَّه فإذا نظروا إلى مقامه تعالى ، صغر عندهم كلّ شيء في حقه تعالى ، قال عليه السّلام في وصف المتقين : " عظم الخالق في أنفسهم ، فصغر ما دونه في أعينهم . وحينئذ عرفوا عليهم السّلام أن كل عامل لا يقوم بحقه تعالى ، لأن توفيقه عبده بخدمته نعمة توجب شكرا ، وهكذا وإليه يشير قوله عليه السّلام : " إنه كان يقول صلَّى اللَّه عليه وآله : " أتوب إلى اللَّه " بعد ما نفى عليه السّلام أنه صلَّى اللَّه عليه وآله يقول : " أستغفر اللَّه " . وبعبارة أخرى : أنه صلَّى اللَّه عليه وآله ما كان يقول : " أستغفر اللَّه " ، بل كان يقول : " أتوب إلى اللَّه " ، والوجه فيه أنه قيل كما تقدم : إن الاستغفار والتوبة كالجار والمجرور إذا اجتمعا افترقا ، وإذا افترقا اجتمعا ، أي إذا ذكرا معا كان لكل منهما معنى يخصه ، وإذا ذكر أحدهما منفردا استعمل في معنى الآخر أيضا ، وذلك أن الاستغفار حقيقته طلب المغفرة منه تعالى ، وذلك يستدعي صدور الذنب عن المستغفر . وأما التوبة فحقيقتها الرجوع إليه تعالى ، ولو لم يصدر منه ذنب ، وإن كان الاستغفار بوحدته ، ربما يطلق على التوبة وبالعكس ، وحينئذ نقول قوله عليه السّلام : لا ولكن كان يقول : " أتوب إلى اللَّه ، " معناه أنه صلَّى اللَّه عليه وآله لما يكن مرتكبا للمعصية لعصمته

--> ( 1 ) المؤمنون : 60 . .