الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
229
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
فلا يستغفر اللَّه بما له من معنى طلب المغفرة المستلزمة لارتكاب الذنب ، بل كان يقول : " أتوب إلى اللَّه " الذي معناه أنه لما كان دائما مشاهدا لجماله وعظمته تعالى فهو صلَّى اللَّه عليه وآله وكذا الأئمة عليهم السّلام فكان يتوب إليه تعالى ، أي يرجع إليه تعالى من الحالة السابقة على مشاهدة ذلك الجمال والجلال الجديد . وهذا الحديث الشريف يعطي أن الأئمة كالنبي صلَّى اللَّه عليه وآله في توبتهم واستغفارهم ، الذي هو أيضا بمعنى التوبة في حقهم كما لا يخفى ، وإن عبّروا عن أنفسهم بتلك التعابير المتقدمة ، فإنما هو بلحاظ مشاهدتهم جماله وعظمته ، ورجوعهم عن حالتهم السابقة عن هذه المشاهدة إلى التجلي الجمالي والجلالي الجديد ، وحيث إن هذا أي التجلي دائمي لهم فلا محالة يكون خوفهم وبكاؤهم وتضرعاتهم بهذه الدواعي أيضا دائمة كما لا يخفى ، وهذه التوبة هي المراد من قوله تعالى : ( ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) 49 : 11 ( 1 ) ، فدلَّت هذه الآية على أنه من تاب فقط سقط عنه اسم الظلم دون من لم يتب فإنه ظالم فبناء على أن المراد من التوبة هو الرجوع إليه تعالى ، فلا بد حينئذ للذي يرى في نفسه منه تعالى آثارا من الجمال والجلال من أن يتوب إليه تعالى ، أي يرجع ويعود إليه تعالى من الحالة التي كان فيها قبلا ، وإلا لكان ظالما لنفسه ، ولذا كان النبيّ وكذا الأئمة عليهم السّلام يتوبون إليه تعالى في كلّ يوم سبعين مرة ، إذ من المعلوم أنه لم يكن يصدر منه صلَّى اللَّه عليه وآله ذنب في كلّ يوم سبعين مرة ولو على القول بصدور المعصية منه صلَّى اللَّه عليه وآله ، بل كان هذا التكرار إلى السبعين بل قيل كان أزيد ، وإنما يعدّ إلى السبعين للمثال والتكثير لتكرار التجلي له صلَّى اللَّه عليه وآله فهو صلَّى اللَّه عليه وآله بعدد التجلي كان يتوب إليه تعالى وكذا الأئمة عليهم السّلام . وبعبارة أخرى : أن النبي والأوصياء عليهم السّلام كانوا في تلك المقامات التي شرحناها ، وكانت حالتهم بلحاظ تلك المشاهدات تقتضي تلك المناجاة والضراعات ، وتلك التعبيرات عن أنفسهم الشريفة ، فأين هذا من صدور المعصية منهم عليهم السّلام بعد ما
--> ( 1 ) الحجرات : 11 . .