الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
227
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
وصف المعراج . قال عليه السّلام : " فكان بينهما حجاب يتلألأ بخفق ولا أعلمه الا وقد قال زبرجد " . بيانه : أن قوله يتلألأ يراد منه شفّافيته حتى كاد أن يضمحل ، وهو إشارة الوجود الخلقي الذي كان له صلَّى اللَّه عليه وآله وقد صار من كمال القرب ، ومن كمال الفناء عن التوجه إلى النفس بمرحلة نهاية الفناء ، بحيث كاد أن يفنى بالمرة ، ويشير إلى هذا قوله عليه السّلام بخفق فخفقانه أي اضطرابه إنما هو عبارة عن أنه كاد أن يفنى من أثر لحاظ وصفه تعالى ، وكذلك كل نفس له هذه المرتبة ، فتحصل أنّ لهم عليهم السّلام في هذه الحالة وجودا ، ولكن مع تلألئه وشفافيته واضطرابه حجاب بنسبته ، ويكون حينئذ بنظرهم ذلك الوجود ذنبا بالبيان المتقدم ، فلأجل ذلك يبكون ويخافون ويستغفرون ، وهذا الوجود في الحقيقة تقصير في الخليقة إذا لوحظت إلى ذاته المقدسة الجميلة الجلية الغنية ، التي لها السلطنة والغلبة والكبرياء الذاتي ، إلا أن هذا الوجود الشفّافي لا بد منه في فرض بقاء الخلق ، لأنه موضع مظاهره تعالى الجميلة والجليلة ، وهو أي هذا الوجود متصف ومتوسم بالعجز الذي وسم اللَّه الخلق به ، ولولا كذلك أي أنه موسوم بالعجز لما وجد لأنه يلازم كونه شريكا له تعالى إذا لم يكن عاجزا ، فالخروج عن حقيقة الشرك والتحقق بحقيقة العبودية ، وتسليم جميع شؤون الربوبية له تعالى إنما هو بهذا العجز وبالإقرار به ووجدانه ، فإذا كان العبد كذلك صار مظهرا للصفات الربوبية فلا يظهر فيه حينئذ إلا صفاته تعالى وإليه يشير قوله عليه السّلام : " إذا تم الفقر فهو اللَّه " وقوله عليه السّلام كما في مصباح الشريعة : " العبودية جوهرة كنهها الربوبية " فافهم تعرف إن شاء اللَّه تعالى ، فظهر وجه أنهم عليهم السّلام في ذلك الاشتعال بتلك النار - نار المحبة - يتضرّعون ويعبرون عنهم وعن أعضائهم بتلك التعابير ، فهم عليهم السّلام بلحاظ وجودهم وحدودهم كأنهم في البعد عنه تعالى ، وذلك لأنه تعالى دائما يكون في التجلي بلا تكرار لحقيقتهم عليهم السّلام فهم يرون حقيقتهم بعيدا عنه تعالى بلحاظ تلك التجليات المتكررة بالنسبة إليهم ، ولذا يتوبون إليه تعالى متابا .