الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
223
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
نفوسهم كأنها هي العاملة خارجا لتلك المعاصي ، فيقرون بها ويتضرعون عنها ، لما تقدم من أن الشيعة خلقت من فاضل طينتهم ، فينسبون معاصيهم إلى أنفسهم الشريفة ، وإما لأنهم عليهم السّلام لما كانوا عالمين بحقائق الأمور بكلَّياتها وجزئياتها ، ويعلمون أنه تعالى عالم بجميع الأمور ، فهم عليهم السّلام دائما يرون أنفسهم بحضرة المولى تعالى وتقديس ، ويرون أن المعاصي التي تصدر من العباد أنها بحضرة منه تعالى ، ويرون أيضا عظمته تعالى دائما ، فحينئذ يستحيون من المولى سبحانه ، ويعتذرون منه ، ويخجلون منه بأشد الخجالة أن الأرض تخسف بهم ، ولا يرون صدور المعاصي من العباد بحضرتهم لديه تعالى ، فبهذه الاعتبارات ينسبون معاصي العباد إلى أنفسهم الشريفة ، وكأنها صدرت منهم لما يرونه بحضرة المولى سبحانه . فإن قلت : أليس هذا الإقرار ظاهرا في نسبة المعصية إليهم نسبة خارجية ، والتنزيل المذكور ظاهر في خلافه . وبعبارة أخرى : ظاهر قوله : " وعصيتك بلساني " أنه صدر منه معصية اللسان خارجا لا تنزيلا . قلت : بعد ما اقتضت الأدلة الخارجية من الآيات والأحاديث الدالة على أنهم لم يعملوا المعاصي كما قال عليه السّلام : " واللَّه ما كان له ذنب " إنهم عليهم السّلام لم يعملوا بالمعاصي خارجا قطعا فلا محالة تكون النسبة نسبة مجازيّة بلحاظ التنزيل المذكور . وبعبارة أخرى : لا بد من التنزيل المذكور أولا ثم استناد المعصية إليهم عليهم السّلام كما لا يخفى ، مضافا إلى أنه قد علمت أنه على بعض الوجوه صحت نسبة المعصية إليهم عليهم السّلام لما علمت من أن الشيعة خلقت من فاضل طينتهم عليهم السّلام ، واللَّه العالم بحقائق الأمور . الثالث : في توحيد الصدوق ( 1 ) ، باسناده عن زرارة قال : سمعت أبا عبد اللَّه عليه السّلام يقول : " إن اللَّه تبارك وتعالى خلو من خلقه ، وخلقه خلو منه ، وكلّ ما وقع عليه اسم شيء ما خلا اللَّه عز وجل فهو مخلوق ، واللَّه خالق كلّ شيء تبارك الذي ليس كمثله
--> ( 1 ) توحيد الصدوق ص 105 . .