الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
217
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
بعض أصحابنا ، عن أبي الحسن موسى عليه السّلام قال : " إن اللَّه تعالى غضب على الشيعة ، فخيرني نفسي أو هم ، فوقيتهم واللَّه بنفسي . أقول : أي فاخترت هلاكي ، وتحمّلت تلك المصائب دونهم ، فقوله عليه السّلام فوقيتهم واللَّه بنفسي ظاهر في أنه عليه السّلام قد عرّض نفسه الزكية المقدسة في إتيان ما يوجب العفو والمغفرة للشيعة . وبعبارة أخرى : أن الشيعة لما عملوا المعاصي الموجبة لغضبه تعالى ، فكان عليهم أن يعملوا من التضرّعات والعبادات ، والإقرار بالمعاصي ، وطلب المغفرة ما يكون سببا لعفوه تعالى عنهم ، ولكن لم يفعلوا ذلك ، فأراد اللَّه تعالى إهلاكهم ، فخيّره تعالى بين أن يهلكهم ، أو يهلك موسى بن جعفر عليه السّلام فوقاهم عليه السّلام بنفسه ، أي فعل عوضا عنهم تلك الأمور من التضرعات ، وتحمّل تلك المصائب . والحاصل : أن الأئمة عليهم السّلام لما غفر اللَّه تعالى ذنوب شيعتهم منّة عليهم ، تصدوا عن شيعتهم لإتيان تلك التضرعات أداء لحقّه تعالى في قبال تلك المعاصي وأداء لشكرهم له تعالى في قبال ذلك الامتنان ، فتأمل تعرف راشدا ، ولعل ما قلناه هو المستفاد من قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : " أنا وعلي أبوا هذه الأمّة " . بيانه : أن الأبوين بنظر الشرع والعرف كضامن الجريرة ، فكما أن الأبوين يتحملان ما جناه الولد من الضمان مثلا ، فكذلك يتحملان إظهار العذر لمن جنى عليه الولد . فحينئذ نقول : إنّ النبي والأئمة عليهم السّلام يتحملان عذر ما جنت الشيعة من المعاصي من طلب المغفرة ، والبكاء والتضرع ، والتألَّم من تلك المعاصي بنحو كأنّها صدرت منهم ، ويوضح لك هذا أنه لو جنى الولد على أحد ، ولم يعتذر الأب إلى المجنى عليه عدّ هذا خلاف الأدب من الأب ، وهذا بخلاف ما لو اعتذر إليه فإنه حسن منه ، والأئمة عليهم السّلام تحمّلوا هذا الاعتذار لطفا منهم على الشيعة ، وهنا وجه آخر وهو أنه تقدم أن جميع الفيوضات حتى موادّ المعصية إنما هي تصل إليهم منه تعالى بواسطة