الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
181
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
عند الناس عزّا وعلوا ، ولا يدع أيامه باطلا ، فهذا أول درجة التقى ، قال اللَّه تعالى : ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ) 28 : 83 ، الحديث . وقيل : العبادة نصب العبد نفسه في مقام المملوكية لربّه ، وما تقدم من أن العبودية هو الخضوع فإنما هو تفسير باللازم . وبعبارة أخرى : أن اعتبار العبودية من أحد للَّه تعالى ، بعد طرح خصوصيات موارد استعمالها ، ليس إلا أن يرى العبد نفسه مملوكة للَّه تعالى ملكا ، يسوغ له تعالى من حيث هو مالكه ومولاه أن يتصرف فيه كيف يشاء ، وبما أراد ، ويسلب عن العبد استقلال الإرادة مطلقا ، فهو سبحانه مالك كلّ ما يسمى شيئا بحقيقته الملكية ، فأي شيء فرض من ذوي العقول ، بل ولا من غيرهم من ذوي الشعور والإرادة لا يملك من نفسه ولا من غيره شيئا لا لنفسه ولا لغيره من ضرّ ولا نفع ولا موت ولا حيوة ولا نشور . وهو ( أي العبد ) لا يستقل بالنسبة إلى أمر في الوجود من ذات أو وصف أو فعل أبدا ، اللَّهمّ إلا ما ملكه اللَّه تعالى ذلك تمليكا بحيث لا يبطل ملكه تعالى أيضا ، ولا ينتقل به الملك عنه تعالى إلى غيره وذلك بنحو بينه عليه السّلام في قوله : " بل هو المالك لما ملكهم ، والقادر على ما عليه أقدارهم ، وهو على كلّ شيء قدير ، وبكلّ شيء محيط " . أقول : وجميع هذه التفاسير يعطي أن العبادة هي الأعمال العبادية ، التي تصدر من الإنسان بما هي حاكية من تحقق صفة العبودية في قلب العابد ، وإلا فهو صورة محض لا أثر لها ، فالإنسان إنما يكون عابدا له تعالى إذا تحقق في قلبه صفة العبودية ، وهي الخضوع والانقياد ، ونصب الإنسان نفسه في مقام المملوكية ، وأمّا العبودية التي عرفت تفسيرها عن المحقق السبزواري فهو معنى مختصّ بالأولياء الواصلين إلى مرحلة الفناء ، وشرحه موكول إلى محله .