الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
154
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
وأولي العلم على اللَّه تعالى ، مع أنه قدم شهادته عليهما في جميع الموارد ، وأجيب بأن توحيده تعالى نفسه قبل ذلك ، لأنه تعالى المعلم والداعي في أصل الشهادة ، فكان حق التعظيم التقديم ، وقد يجاب أيضا عن أصل الإشكال بأن التقديم محمول على ما تعرفه العوام من أن الملائكة هم الوسائط بين اللَّه وبين الخلق ، كما هو ظاهر الأدلة ، أو على أن الملائكة لما كانوا لبساطتهم وتجردهم أشدّ استغراقا وأدوم ذكرا من غيرهم بحسب العموم فقدموا في الذكر . ففي الدعاء عن السجاد عليه السّلام : " اللهم وحملة عرشك الذين لا يفترون من تسبيحك ، ولا يسأمون من تقديسك ، ولا يستحسرون في عبادتك ، ولا يؤثرون التقصير على الجد في أمرك ، ولا يغفلون عن الوله إليك " إلى أن قال عليه السّلام : " والذين لا تدخلهم سأمة من دؤب ، ولا إعياء من لغوب ، ولا فتور ، ولا تشغلهم عن تسبيحك الشهوات ، ولا يقطعهم عن تعظيمك الغفلات " الدعاء ، وهذا بخلاف الماديات والمركبات ، لكثرة الموانع فيها ، ولهذه الجهة كان المؤمن الصالح في البشر أفضل من الملائكة ، والطالح منهم أكثر شرّا من الأنعام . ففي الحديث عن العلل وغيره عن الصادق عليه السّلام حين سأله عبد اللَّه بن سفيان : الملائكة أفضل أم بنو آدم ؟ فقال : أمير المؤمنين عليه السّلام : اعلموا أن اللَّه ركب في الملائكة عقلا بلا شهوة ، وركب في البهائم شهوة بلا عقل ، وركب في بني آدم كليهما ، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة ، ومن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم . وقد يقال : إن الملائكة لما كانوا وسائط في التعليم بالوحي غالبا بحسب الظاهر كما تقدم ، فحسن تقديم ذكرهم على أولي الأمر بلحاظ التقديم الوساطي لا المعنوي وإلا فالملائكة متأخرون خلقا عن الأنبياء والأئمة عليهم السّلام كبّروا فكبّرت الملائكة وهكذا . أقول : هكذا قيل ولعلّ الوجه في تقدم الملائكة أن الناس غالبا معتقدون بأن الملائكة هم أهل التوحيد قاطبة بخلاف البشر ، ففي الظاهر هم أشرف عندهم من