السلمي

تصدير 17

طبقات الصوفية

كذلك هو دليل مادي ، يدفع رأي الذين يرون أن العقلية العربية لا يمكن أن ينمو فيها التصوف ولا أن تفكر فيه ، وإنما " هو ثورة العقل الآري على الدين السامي الفاتح 26 " . كان والد أبي عبد الرحمن شيخاً ورعاً زاهداً " دائم المجاهدة ، له القدم في علوم المعاملات 27 " . وقد صحب ابن منازل ، وأبا علي الثقفي ، وهما من شيوخ الملامتية في خراسان ، ومن تلاميذ أبي عثمان الحيري ، ولكنه لم يكن موسعاً عليه في رزقه ويذكر الجامي أنه " أنه لما ولد أبو عبد الرحمن باع ما عنده وتصدق به 28 " . وكان على ضيق ذات يده ، صوفياً جليل القدر ، يقول عنه الحاكم أبو عبد الله في " تاريخ نيسابور " : " قلما رأيت في أصحاب المعاملات مثله 29 " . وقد أشتهر أبو عبد الرحمن ، بنسبته إلى قبيلة والدته ، أكثر من اشتهاره بنسبته إلى قبيلة والده . ومرد ذلك ، في الأغلب الأقرب ، أن السُّلميين - وهم قبيلة والدته - كان لهم شأن في نيسابور : فتحاً وحكماً ، وثورة وجاهاً . وقد مر أن واحداً منهم ولي أمر نيسابور ، من سنة إحدى وأربعين إلى سنة خمس وأربعين ، في عهد معاوية بن أبي سفيان . وثمة شيء آخر ، وهو أن والد أبي عبد الرحمن لم يكن في سعة من الجاه والمال ، على فضله وكرم خلقه ، بل كان مقدراً عليه رزقه ، وكان أهل والدته موفورين حتى ليعدون - كما يحدث أبو عبد الرحمن - من كبار أثرياء نيسابور 30 ، على فضل وعلم وزهادة وكرم خلق . وقد أحتضن أبو عمر ، إسماعيل بن نجيد ، حفيده أبا عبد الرحمن ، بعد أن أنتقل والد أبي عبد الرحمن إلى جوار الله ، سنة نيف وأربعين وثلاثمائة 31 . ونشأ الفتى في رعاية جده ،