الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

90

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

مورد انتفت الرحمة الواسعة انتفى لطفهم عليهم السّلام عنه ، لانتفاء موضوعه ، لا ، والعياذ باللَّه لظلم منهم له ، فقتلهم الأعداء وإجراءهم الحدود إنما هو بأمره تعالى في موارده ، التي لا تشملها الرحمة الواسعة ، كما لا يخفى . وملخص القول : إنّ الرحمن هو العلة لاستوائه تعالى على العرش ، أي هو العلة للطفه تعالى على الخلق كلَّهم بداعي هذه الصفة ، وإلا فأين التراب وربّ الأرباب ؟ ففي التوحيد . . إلى أن قال : حدثني مقاتل بن سليمان ، قال : سألت جعفر بن محمد عليه السّلام عن قول اللَّه عز وجل : الرحمن على العرش استوى 20 : 5 فقال : " استوى من كلّ شيء ، فليس شيء أقرب إليه من شيء " . فيعلم أنه تعالى استوى على الأشياء كلَّها برحمته ، حيث إن الرحمة هي الصفة الجامعة لصفات الإضافة المتعلقة لصفات الخلق ، وهي الرحمة الواسعة التي وسعت كلّ شيء ، وانبسطت في الخلق آثارها ، فهي خزائن غيبه التي أظهر عنها أفاعليها في جميع الخلق ، وأظهر بها صنائعه ، وأبان بها أوامره ونواهيه . وبها أظهر فضائله في الخلق ، ومنها ظهر بنيان عفوه وعدله ، وانتشر بها كرمه وآلاؤه وبآثارها حمده الخلائق ، وأثنى عليه أهل الثناء ، وبها خلق ما خلق من الخلق العلوي والسفلي بأقسامها من الملائكة وأصناف الخلق والحيوانات ، وبها أعطى كلّ شيء خلقه ما به قوامه ومعاشه ، وبين بها وظائف المخلوقات ، وبها أجرى الأقلام الإلهية بما مضت به الاحتام ، وبها جعلت الأسباب بإطلاقها مؤثرات في الوجود في التكوينيات والتشريعيات والترقيات المعنوية في جميع عوالم الوجود . والحاصل : أنّ صفة الرحمة هي التي جعلت الخلائق بأسرها في مجاري وجودها في التأثير والتأثر والترقي والتعالي والفعل والانفعال كلَّها ولولاها لبقيت الموجودات في أسر احتياجها محرومة عن جميع الفيوضات ، باقية في ظلمات