الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
91
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
الإمكان وقعر سجون الفقر . فكونهم عليهم السّلام أمناء الرحمن إشارة إلى أنّ جميع موارد إعمال الرحمة في الخلق إنما هو بهم ، لأنه تعالى كما علمت أشهدهم خلقها ، وأنهى علمها إليهم ، وهم عليهم السّلام الحجّة البالغة عليهم أجمعين . وقد يقال : إنّ إشهادهم للخلق هو عبارة عن عرض ولايتهم على الخلق كلهم . ففي المحكي عن السرائر لابن إدريس ، عن جامع البزنطي عن سليمان بن خالد ، قال : سمعت أبا عبد اللَّه عليه السّلام يقول : " ما من شيء وما من آدمي ولا أنسي ولا جنّي ، ولا ملك في السماوات والأرض إلا ونحن الحجج عليهم ، وما خلق اللَّه خلقا إلا وقد عرض ولايتنا عليه ، واحتج بنا عليه ، فمؤمن بنا وكافر وجاحد حتى السماوات والأرض والجبال ، الآية يعني الشجر والدواب " ، الحديث . ومن المعلوم : أنه تعالى لم يعرض ولايتهم على الخلق إلا بعد ما ائتمنهم على جميع ما استوى به من رحمانيته على عرشه . فهم عليهم السّلام مؤتمنون عليها ، وأمرهم اللَّه تعالى أن يؤدّوا الأمانات إلى أهلها ، فأدّوا الأمانة إلى أنحاء الخلق بأنحاء الأداء ، فأدّوا إلى كل ذي حقّ حقّه . حتى بالنسبة إلى أنفسهم الشريفة فأدّوا إليها جميع ما لها من الحقّ والاستحقاق . ومن ردّ الأمانات هو أنه تعالى لما عرفهم نفسه وعرفهم عليهم السّلام استحقاقه تعالى ، بأن يسبح ويهلل ويكبّر ويوحّد لما عرفهم نفسه تعالى ، وعرفوا ما له تعالى من الاقتضاء الذاتي من العظمة والجمال بما يستحق تعالى به أن يحمد ويسبح ، إلى آخر ما قلناه فأدّوا أمانة الباري تعالى أي عملوا بما تقتضيه ذاته المقدسة مما ذكرنا . فأولا عرفوه حقّ معرفته بما منحهم اللَّه ذلك ، فسبحوه وحمدوه بحقائقهم عليهم السّلام وهللوه وكبروه بتوحيدهم عليهم السّلام له تعالى ، وعبدوه حقّ عبادته بما عرفهم نفسه ، وحيث عرفوا ذلك الأمر الإلهي ، وأدّوا أمانته تعالى إليه فأفصحوا عن ذلك كلَّه بقولهم : إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون 2 : 156 .