الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
451
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
فاستناد الفعل إلى العبد من حيث قيام الفعل به وإنه مظهر للفعل الإلهي لا ينافي توحيد الأفعال له تعالى . فإن قلت : بعد ما أسند الفعل إلى العبد وإلى اختياره ، فكيف يصح القول بالتوحيد الأفعالي له تعالى ؟ قلت : لا ريب في أن الفعل أولا وبالذات مستند إليه تعالى . وثانيا وبالعرض مستند إلى العبد من حيث كونه مظهرا لفعله تعالى ، فالعبد بحسن اختياره أو بسوء اختياره للفعل الحسن أو القبيح يسند الفعل إليه بهذه الحيثية ، ليكون موردا للثواب أو العقاب وإلا فهو ( أي العبد ) في حال استناد الفعل إليه يكون هو وفعله واختياره الحسن والقبيح من فعله تعالى . فليس فعله ( أي العبد ) في عرض فعله تعالى ، بل فعله تعالى حقيقي ، وفعل العبد اعتباري أسند إليه لتصحيح العقاب والثواب . فإن قلت : قال اللَّه تعالى : ما أصابك من حسنة فمن اللَّه وما أصابك من سيئة فمن نفسك 4 : 79 فدلت على أن الفعل السيّئ منسوب إلى العبد لا إليه تعالى . قلت : إن ما أصيبت من الحسنة فبذاتها وحقيقتها تكون منه تعالى ، لأن العبد فقر محض ليس فيه ملاك الحسن ، وهذا بخلاف السيئة فإنه من آثار الفقر والنقص الثابت للخلق ، فهذه الآية تعطي أن الفعل من حيث اتصافه بالحسن والسوء ينقسم إلى قسمين لا من حيث ذات الفعل بل ذات الفعل منه تعالى . وإليه الإشارة بقوله تعالى : قل كل من عند اللَّه 4 : 78 فالفعل منه تعالى وإن كان عقابا ، لأنه حينئذ كما تقدم يكون بعنوان الجزاء للعبد العاصي . وإليه الإشارة في قول أمير المؤمنين عليه السّلام : " لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وأن الضار النافع هو اللَّه تعالى " كما لا يخفى . وكيف كان فهم عليهم السّلام مخلصون له تعالى في التوحيد الأفعالي ، أي يرون الأفعال فعله تعالى بنحو يليق بقداسة ذاته المقدسة .