الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

446

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

تعالى ، فلا يرى حينئذ لعمله عوضا وأجرا ، وذلك لإخراج نفسه مما دخلها في العمل ، بل يرى أنه لا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم ، ولازمه حينئذ أن لا يرضى بعمله بأن يراه مرضيا له تعالى ، بل يبرأ منه بأن يكون بحوله وقوته ، كلّ ذلك لما علم وعرف من أن المقصود من الأمر بالعمل هو الفناء فيه تعالى . فمن علم أن عمله ليس من كسبه ، بل من حوله تعالى وقوته وإن أمر به ، فلا محالة يكون المطلوب فناءه في اللَّه تعالى في ظرف قيام العمل به ، لما رأى نفسه ناقصا ونقصا ليس أهلا لوقوع العمل وقيامه به كما هو حقه ويستحقه الباري تعالى ، فيخجل من عمله مع قيامه بحق العبودية ، فإنه عبد مأمور لا بد له من الامتثال ، بل تذهل عن أن عمله في مرءى منه تعالى تنقيصا لعمله وتحقيرا لنفسه ، فلا يرى إلا أنه موفق بنور التوفيق الإلهي ، لقيامه به لما أقدره اللَّه تعالى عليه وأطاقه له . فهذه الحالات تنتج أن العمل كأنه ليس منسوبا إليه ، لما لا يرى لنفسه من وجود وحول وقوة ، فلا يرى من نفسه وعمله إلا حكمته تعالى الأزلية وآثار قدرته تعالى مع محو رسم الغير ، فإذا اتصف بتلك الحالات وشاهد حكم اللَّه عليه صار عبدا مخلصا ، بل خالصا له تعالى ، وخلص من رقّ الكون بأسره ، ومما له من الرعونات والآفات ، انتهى ملخصا . فحينئذ نقول : لا ريب في أنهم عليهم السّلام مخلصون في توحيد اللَّه ( بالكسر ) وبالفتح في الواقع ونفس الأمر ، فإن ذواتهم المقدسة كما هم متصفون بصفة الإخلاص ، وأنهم مخلصون في التوحيد ، كذلك أنهم عليهم السّلام مخلصون ( بالفتح ) أي ثابت لهم صفة الخلوص منه تعالى ، والعبارة محتملة لكلا الأمرين ، بل قرئت بكل منهما ، فلا بد من تفسيرها على القسمين فنقول : أما كونهم مخلصين ( بالكسر ) في توحيده معناه أن غاية التفريد والتجريد له تعالى ، الذي ليس وراءه مقام في الإمكان هو ما جرّدوا وأفردوا ، وهذا هو حقيقة الإخلاص كما قال علي بن موسى الرضا عليه السّلام بمحضر المأمون ( عليه لعائن اللَّه ) : " ولا